
يواجه المنهج التفسيري للقرآن الكريم تحديًا قديمًا متجددًا يكمن في هيمنة المقاربة التجزيئية التفكيكية. هذه المقاربة، التي تتعامل مع الآيات الكريمة كوحدات منفصلة أو نصوص أدبية بشرية، تسعى إلى تفكيك النص بحثًا عن معانٍ مجزأة، أو -في أسوأ الأحوال- عن “لاوعي” مفترض للمؤلف. إن هذه النظرة لا تتناسب مع طبيعة النص القرآني الذي هو نص إلهي الصياغة، يستعصي على هذا النوع من التفكيك الذي يهدف إلى الكشف عن عوامل لاشعورية كامنة في “وعي مؤلف” بشري.
إن العودة إلى المشروع المعرفي للفيلسوف النمساوي كريستيان فون إيرنفيلس تقدم لنا إطارًا منهجيًا وفلسفيًا حاسمًا للخروج من هذا المأزق: وهو مفهوم “كيفيات الگشتالت” (Gestalt Qualities).
يُعرف إيرنفيلس بأنه الأب الروحي لنظرية الجشطالت، بمقولته الشهيرة في عام 1890 بأن “الكلّ أكبر من مجموع أجزائه”. لم تكن هذه مجرد نظرية في الإدراك الحسي (كإدراك اللحن أو الشكل)، بل كانت دعوة معرفية للتعامل مع الظواهر كوحدات متكاملة ذات خصائص (كيفيات) لا تنشأ إلا من تفاعل الأجزاء معًا ضمن سياق كلي.
إن إعادة الاعتبار لإيرنفيلس ومشروعه تعني إعادة الاعتبار لـ “الكلية” في مواجهة “التجزئة”. وهذا المبدأ، إذا طُبِّق على النص القرآني، يُشكل إضافة نوعية يمكن أن تحدث ثورة في فهمه.
تكمن القيمة المضافة للمقاربة الگشتالتية في تعاملها مع القرآن الكريم باعتباره “كلًا قرآنيًا” متكاملًا، حيث يكون معنى الكل غير ذاك الذي يتوصل إليه الفهم التجزيئي للآيات منفردة.
• رفض التبعيض والتفكيك:
• إن القراءة الگشتالتية ترفض التعامل مع الآية أو المقطع القرآني بمعزل عن سياق المصحف كله. هي ترفض الفكرة القائلة بأن معنى الآية يمكن أن يُستنفد بمجرد تحليلها اللغوي أو التاريخي المنفصل عن “كيفية” انتظامها ضمن النسيج القرآني الأكبر.
• إن النص الإلهي صيغة متكاملة، حيث كل آية ليست مجرد “جزء” يُضاف إلى آخر، بل هي عضو فعّال يُسهم في خلق الخاصية الكلية للمعنى، والتي لا يمكن استنباطها من التفكيك البسيط.
• البحث عن كيفية الگشتالت القرآني:
• المقاربة الگشتالتية تسعى إلى إدراك “كيفية الگشتالت القرآني” (The Gestalt Quality of the Qur’an). هذه الكيفية هي المعنى الفائق الذي ينطوي عليه النص بأكمله كبنية متكاملة من الهداية والتشريع والخطاب.
• إنها تدعو إلى قراءة الآيات ضمن علاقاتها الداخلية المتبادلة، وإدراك الأثر الكلي الذي يحدثه النص في الوعي والمجتمع، والذي هو أعمق وأشمل من مجرد استخراج الأحكام الجزئية أو المعاني اللغوية المنفصلة.
• الموضوعية والشمولية:
• إن التعامل مع “الكل القرآني” يقدم قراءة أكثر موضوعية وشمولية لآياته، لأنها تتجنب الوقوع في أسر التفسيرات التي تتبنى آية وتغفل أخرى، أو التي تُخضِع الآيات لأيديولوجيات مسبقة دون رؤية بنية التماسك الكبرى للنص.
إن إيرنفيلس، الذي أرسى الأساس الفلسفي لفهم الكليات الإدراكية، يفتح لنا الباب نحو تأسيس منهج تفسيري جديد يعيد للنص القرآني وحدته وقدسيته التي تستعصي على التبعيض والتفكيك.
إن الدعوة لإعادة الاعتبار لكريستيان فون إيرنفيلس هي في جوهرها دعوة لتفسير قرآني أكثر نضجًا وشمولًا، يدرك أن “الكل القرآني” هو الهداية الكاملة التي تتجاوز مجموع الآيات المكونة له.
