
الأمثالُ الشعبية ليست مجرّد أقوالٍ تُتداول في المجالس، بل هي خزائنُ الوعي الجمعي وذاكرته الحيّة. إنّها النُسَخ الشفاهية المبكرة من “الوعي الفلسفيّ” الذي اختبره الإنسان عبر قرونٌ من الزمان، فأودعها في جُملٍ قصيرة كثيفة المعنى.
ولأنّ هذه الأمثال كانت تولد من رحم التجربة، فلقد ظلّ عددها يزداد، مستجيبةً لمستجدّات الواقع كما تستجيب الخلايا الحيّة للمتغيرات الفسيولوجية. فكلُّ مثلٍ جديدٍ إنما هو “تجربة مكرّرة” للبشرية في صراعها مع المجهول. ولهذا قال المثل العراقي: “أبو المثل لم يدع شيئًا إلا وقاله”؛ أي إنّ تجربة الإنسان واحدة في جوهرها، مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة.
وفي السياق نفسه يردّد المثلُ المصري: “يا ما في جيبك يا حاوي”، وهو تكملةٌ بديعة للمعنى العراقي؛ فكما أنّ “أبو المثل” لا يترك حكمة إلا وقالها، فإنّ “الحاوي” لا يترك خدعة إلا وأخفاها في جيبه. كلاهما يمثل صورةً رمزيةً واحدة للإنسان: الكائن الذي يحاولُ أن يواجهَ عجزَه بالحيلة، وأن يغلبَ محدوديّته بالمكر أو الذكاء أو الخداع الجميل.
في المقابل، يقدّم المثلُ العراقي الآخر “كالخنفساء في الصوف” استعارةً وجودية صارخة لحالة الإنسان في مأزقه الوجوديّ. فالخنفساء التي تحاولُ الإفلات من الصوف لا تزداد بمحاولاتها إلا تعلقاً به، كما يزداد الإنسانُ تورّطًا كلما حاولَ، بعقله المحدود، حلَّ معضلته الكبرى: كيف ينجو من نفسه؟
هذه الصورة تُلخّص بذكاءٍ شعبيٍّ بسيط ما عجزت عنه كتبُ الفلسفة: إنّ الإنسانَ لا يمكنه أن يخلُص من عذابات بشريّته بعقله وحده، لأنه جزءٌ من النسيج الذي يحاول الانفلات منه.
وهو ما يجعل كلَّ حلولِه، من السياسة إلى الأخلاق إلى العلم، محاولاتٍ “تخليصيةً” تُعيد إنتاج الأزمة بطرائقَ جديدة.
إذا كانت “الخنفساء في الصوف” تمثل صورة الإنسان العالق، فإنّ “جيب الحاوي” يمثّل صورة الإنسان المخادع الذي يحاول أن يُخفي عجزه وراء حيلٍ لغويةٍ أو فكريةٍ أو علمية.
فالحاوي لا يملك سوى ما في جيبه، لكنه يوهمُ الناس أن ما في جيبه لا ينفد. وهكذا يفعل الإنسان الحديث حين يظنّ أن التقدّم العلمي أو التكنولوجي قادرٌ على أن يخلّصه من أزمته الوجودية.
في جيب الحاوي تكمن رمزيةُ الحيلة العقلية التي يقابل بها الإنسانُ فراغَه الروحيّ. فكما يُبهرُ الحاوي أعينَ الناس، يُبهر الإنسانُ نفسَه بإنجازاته، ناسياً أنَّ جوهرَ عجزه لا يُخدَعُ بالسحر ولا يُعالجُ بالذكاء وحده.
هذه الثنائية بين العجز والحيلة ليست حكرًا على الأمثال العربية، بل هي تجربة كونية تتكرّر بصيغٍ مختلفة لدى الشعوب كافة:
• في الثقافة الصينية، يقال: “كلما حاولت الخروج من الشبكة، ازددتَ تعلقاً بها”، وهي صورة مطابقة تقريبًا لمثل الخنفساء في الصوف.
• أما في الفولكلور الإفريقي، فيقال: “العنكبوت الذي نسج بيتاً من الذهب، اختنق بخيوطه”
كلّ هذه الأمثال تتقاطع عند نقطة واحدة: أنّ الإنسان كلما حاول أن يخلّص نفسه بنفسه ازداد غرقًا في مأزقه.
إذاً، فالمثلان العربيان. “الخنفساء في الصوف” و”يا ما في جيبك يا حاوي”، لا يمثلان مجرّد مفارقة بين العجز والحيلة، بل يشكّلان معًا صورةً متكاملةً للإنسان الكونيّ: كائنٌ يحاول أن ينجو بعقله، فيتخبط في ذاته، ثم لا يجدُ خلاصًا إلا حين تمتدُّ نحوه اليد التي خلقته.
فكما أن الخنفساء لا يمكنها أن تخرج من الصوف إلا إذا انتُشلت، فإن الإنسان لا يمكنه أن يتحرر من ثقل بشريته إلا إذا تجلّت عليه رحمة الله الذي وحده من بمقدوره أن “يضع عنه وزره الذي أنقض ظهره”.
وهنا، تُغلق الحكمة الشعبية قوسها ببيانٍ ميتافيزيقيٍّ غير معلَن، كأنها تقول: لقد قال “أبو المثل” كلَّ شيءٍ حقاً، حتى تلك الحقائق التي لم يدرك أنها تتحدث عن الإنسان في سعيه صوب الخلاص.
