الإنسان… الكائن الوحيد الذي يعيدُ باستمرار تعريف حدود مجاله الحيوي

من بين جميع الكائنات التي عرفها كوكب الأرض، يظل الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش في حالة دائمة من إعادة تعريف حدوده الحيوية — أي حدود المجال الذي يستطيع العيش ضمنه بسلام وتوازن.
فبينما تتخذ الكائنات الأخرى مجالها الحيوي بوصفه معطىً نهائيًا تحدده الطبيعة، يعيش الإنسان في توتر مستمر مع هذا المجال: يوسع حدوده تارةً بالغزو والتملك، ويضيقها تارةً بالعزلة والتدمير الذاتي.
إنه الكائن الذي لا يكتفي بما هو متاح، بل يسعى إلى إعادة صياغة العالم، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض الشروط التي تضمن بقاءه نفسه.
إذا ما نظرنا إلى السلوك العدواني في الحيوان، وجدنا أنه مشروط بالغريزة الدفاعية أو التنافس على الغذاء أو التكاثر. أما عند الإنسان، فالعدوان تجاوز تلك الوظائف ليصبح فعلًا رمزيًا وإبستمولوجيًا — أي وسيلة لإثبات الذات، وإعادة ترسيم العالم على صورته الخاصة.
فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش في مجال معين، بل يريد أن يهيمن عليه، يعيد ترتيبه، ويمتد خارجه.
هكذا تولدت لديه نزعةٌ فريدة: تحويل العدوان من أداة بقاء إلى أداة تعريف، ومن غريزة دفاعية إلى مشروع توسعي لا يعرف نهاية.
هنا تكمن المفارقة التطورية الكبرى: في حين أن التطور عند الكائنات الأخرى كبح العدوانية المفرطة لصالح التوازن مع البيئة، فقد أصابت الإنسان طفرة معاكسة جعلت منظومة “تعريف العدوان” عنده معطوبة.
فالعدوان عند الإنسان لم يعد يهدف إلى البقاء البيولوجي بل إلى إعادة إنتاج التفوق الرمزي: السيطرة، الهيمنة، الغزو، والاستهلاك.
ومن ثم، فقد أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يهدم بيئته الحيوية بوعي كامل، معتقدًا أنه بذلك يوسّعها.
بهذا المعنى، فإن كل قفزة حضارية كبرى — من الزراعة إلى الصناعة، ومن الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي — هي في جوهرها إعادة تعريف عدوانية لمجاله الحيوي.
حين يوسع الإنسان مجاله، لا يوسع دائرة الحياة بل يضيّقها على غيره.
فكل توسع بشري هو في الوقت نفسه انكماش للكائنات الأخرى، وكل اكتشاف جديد يحمل في طياته شكلًا من أشكال الإقصاء أو الإبادة.
ومن هنا، يمكن القول إن الإنسان لا يعرف ذاته إلا من خلال العدوان، أي من خلال نفي “الآخر” — سواء كان هذا الآخر إنسانًا، أو طبيعة، أو كائنًا حيًا.
إنه الكائن الذي يتغذى على التدمير، لأنه لم يعد قادرًا على تعريف ذاته في غياب صراع ما.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في العدوان الإنساني لا بوصفه بقايا من الحيوانية، بل بوصفه خللًا تطوريًا في وعي الإنسان بذاته وبحدوده.
فالوعي الذي كان ينبغي أن يُكبح به العدوان، تحوّل إلى أداته الأشد فتكًا.
هكذا خرج الإنسان من دائرة الطبيعة لا لأنه ارتقى فوقها، بل لأنه فقد توازنه داخلها.
ولعل مصيره الراهن، من التغير المناخي إلى الحروب المتكررة، ليس إلا النتيجة الطبيعية لهذا الخلل العميق في منظومته التطورية.

أضف تعليق