“التنمّر”… شذوذ تطوّري في المسار الإنساني

يُعدّ التنمّر من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشارًا واستعصاءً على التفسير التطوري. فالحيوانات — رغم تنازعها وغرائزها الدفاعية — لا تمارس الأذى الممنهج أو الإذلال لمجرد التسلية أو تأكيد الهيمنة النفسية. أمّا الإنسان، الكائن الذي يفترض أن تطوّره قد أفضى إلى التعاطف والتعاون، فقد ابتكر التنمّر كسلوكٍ رمزي وجسديّ ومعنويّ يتجاوز دوافع البقاء البيولوجي إلى ميادين الرمزية والسلطة والهوية.
الحيوان، في سلوكه العدواني، يسعى إلى غاية بيولوجية مباشرة: حماية الإقليم، أو التزاوج، أو الدفاع عن النسل. بينما الإنسان يمارس العنف خارج هذه الضرورات. فالتنمّر لا يرتبط بحاجةٍ وجودية، بل بخلل في التمثّل الذهني للذات والآخر؛ إنه تجلٍّ لانفصال الوعي الإنساني عن غايات التطور الطبيعي، ودليل على ظهور مستوى جديد من “الوعي السلبي”، حيث يتحول العقل من أداة للبقاء إلى أداة للهيمنة الرمزية.
لا يبدو للتنمّر أي مردود تطوريّ مباشر، فهو لا يزيد فرص البقاء ولا يحسّن اللياقة الوراثية. بل على العكس، يؤدي إلى تفكك الجماعة وإضعاف الروابط الاجتماعية التي قامت عليها قدرة الإنسان على النجاة.
ومن منظور علم الأحياء التطوري الثقافي، يمكن عدّ التنمّر انحرافًا طارئًا في برمجة البقاء، ناتجًا عن تضخم القشرة الدماغية المسؤولة عن الوعي والتقييم الاجتماعي، مما جعل الإنسان يطوّر آليات “إذلال الآخر” كوسيلة لإعادة تأكيد ذاته في مجتمعٍ تنافسيّ لا يقوم على البقاء للأقوى فحسب، بل “للأكثر هيمنة”.
تفيد الدراسات الأنثروبولوجية بأن التنمّر موجود في كل المجتمعات البشرية، البدائية منها والمعاصرة، مما يؤكد أنه ليس أثرًا عرضيًا، بل بنية إنسانية متجذّرة.
إن انتشاره عبر المكان والزمان، واستقلاله عن العوامل الاقتصادية أو التعليمية، يشير إلى وجود آلية نفس-اجتماعية عميقة تتجاوز التطور البيولوجي، ربما تعود إلى ما يمكن تسميته “نقطة التحول التطورية” — اللحظة التي غادر فيها الإنسان مسار الطبيعة ليصبح كائنًا رمزيًا، تحكمه المعاني لا الغرائز.
تجعلنا هذه الظاهرة أمام فرضية جديدة: أن التطور الإنساني لم يكن خطيًا ولا إيجابيًا بالكامل، بل عرف انحرافات سلبية تمثلت في بروز سلوكيات لا تخدم البقاء بل تقوّضه.
فالتنمّر، كغيره من الظواهر المدمّرة ذاتيًا (كالحروب والانتقام والعبودية)، يكشف عن تحوّل التطور من آلية تكيف إلى آلية تسلّط، حيث أصبح العقل الإنساني قادرًا على إنتاج سلوكيات لا تسعى إلى البقاء بل إلى إثبات الأنا، حتى على حساب النوع نفسه.
إن التنمّر، بهذا المعنى، ليس مجرد سلوك اجتماعي منحرف، بل هو علامة فلسفية على الانقطاع التطوري للإنسان عن الطبيعة. إنه البرهان الأوضح على أن التطور البشري لا يمكن تفسيره بيولوجيًا فقط، بل يستدعي إدخال العامل النفسي-الرمزي-القيمي في معادلة التطور.
ففي اللحظة التي تحوّل فيها الإنسان من كائن يسعى إلى البقاء إلى كائن يسعى إلى المعنى، نشأت إمكانية الشرّ، ومنها التنمّر، بوصفه أول انحراف تطوري للوعي عن غاية الحياة ذاتها.

أضف تعليق