
في مقال سابق، كانت هناك دعوة لإعادة الاعتبار للفيلسوف النمساوي كريستيان فون إيرنفيلس ومنهجه الگشتالتي، كأداة معرفية ضرورية للتحرر من أسر المقاربات التفسيرية التجزيئية للقرآن الكريم. خلصنا إلى أن النص القرآني، بصفته نصاً إلهي الصياغة، يستعصي على التفكيك الذي يهدف إلى استخلاص معانٍ مجزأة أو نسبته إلى وعي بشري.
إن المقاربة الگشتالتية تصر على أن “الكل القرآني” أكبر من مجموع آياته المكونة له، وأن المعنى الشامل والناجز لا يمكن إدراكه إلا من خلال إدراك “كيفية الگشتالت القرآني” (The Gestalt Quality)، وهي الخاصية الكلية التي تنتج عن تفاعل الآيات والسور ضمن نسيج محكم.
الهدف من هذه المقالة هو تقديم مثال تطبيقي على عظمة هذا “الكل القرآني”، متمثلاً في استخلاص جوهر الرسالة التي أنزل الله تعالى من أجلها القرآن.
إن تدبر الكل القرآني بأكمله، من الفاتحة إلى الناس، يكشف عن رسالة مركزية هي جوهر التنزيل وعلة وجود القرآن بين أيدينا. هذه الرسالة لا تقتصر على آية بعينها، بل تتجلى في التكرار البنيوي والتركيز القصدي للخطاب الإلهي.
يمكن تلخيص رسالة القرآن الجوهرية، المُستخلصة من “الكل القرآني”، بأنها رسالة تحذيرية حاسمة للإنسان، مفادها أن هذه الدنيا لا بد وأن تنتهي بيوم أبدي لا “يوم آخر” بعده.
• محورية اليوم الآخر: القرآن يطلق على هذا اليوم أسماء مختلفة مثل “اليوم الآخر” (الذي لا يليه آخر) و “يوم القيامة” و “يوم الحساب”. هذا المحور يشكل العصب الفقري للخطاب القرآني، حيث تدور حوله كل التشريعات والقصص والتوجيهات.
• قانون العمل والجزاء الصارم: في ذلك اليوم، تُستعرض أعمال البشر. والمبدأ حاسم لا يتبدل:
• الفائزون: من كان في هذه الحياة مؤمناً بالله يعمل الصالحات، فهو في الآخرة من الفائزين.
• الخاسرون: ومن كان في هذه الدنيا مفسداً في الأرض يقترف السيئات، فهو يومها من الخاسرين.
هذا الجوهر هو ما ينطوي عليه الكل القرآني، وهو أكبر وأكثر قطعية من أي نتيجة تفضي إليها مقاربة تقتصر على بعض من آياته.
إن قوة المقاربة الگشتالتية تظهر بوضوح في قدرتها على قطع الطريق أمام التأويلات المتساهلة أو المبررة للفساد:
• وحدة المعنى النهائي: تدبر “الكل القرآني” يقدم تصوراً شاملاً لرسالة القرآن، لا يدع مجالاً للظن بأن هناك “استثناءات” قد تُضعف من قطعية حكم الجزاء.
• إحكام “الكل القرآني” ضد التذرع بالرحمة: إن “الكل القرآني” يضطرنا للإقرار بأن لا سماح (Tolerance) هناك في التعامل مع أحكام الله الفاصلة بشأن مصير المفسدين. فلو اعتمد أصحاب المقاربة التجزيئية التحليل الگشتالتي، لتبين لهم أن الكل القرآني هو أكبر من مجموع آيات القرآن الكريم على قدر تعلق الأمر بالمعنى الشامل الكامل في سياقه المحكم.
• رفض تبرير الإفساد: المقاربة الگشتالتية تمنع تجويز فكرة أن أناساً ارتكبوا سيئات وأكثروا في الأرض الفساد قد يكون لهم حظ من رحمة الله يوم القيامة يجعلهم في خاتمة المطاف من “أصحاب الجنة”. هذا الحكم النهائي الصارم هو إلزام نهائي من “الكل القرآني” الذي يرجح كفة العدل المطلق كـ “كيفية گشتالتية” حاكمة على الرحمة في سياق الجزاء الأبدي للمفسدين.
إن “الكل القرآني” أكبر من الآيات الكريمة التي تشكله، وبالمعنى الذي يجعلنا ملزمين بأحكامه النهائية الفاصلة والصارمة، والتي لم تدع لنا مجالاً للتذرع بالرحمة لتخفيف حدة عذاب المفسدين. الأحكام الإلهية هي قوانين لابد للجميع من تمام التوافق معها.
إن المقاربة الگشتالتية للقرآن، إذ تتفق تمام الاتفاق مع جوهر رسالته الإلهية الكريمة، لابد وأن تشجعنا على المضي قدماً في استخلاص نماذج تطبيقية قرآنية أخرى تثبت وبما لا يدع مجالاً للشك بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند غير الله. إن تماسك المعنى الكلي للقرآن العظيم، وقطعية رسالته الجوهرية، وثبات قانونه على مستوى “الكل القرآني”، هو برهان ساطع على إحكامه وإعجازه.
