دراسة أنثروبولوجية في الخلل التطوري لمنظومة العدوان البشري

تشير الدراسات التطورية إلى أن الكائنات الحية تطوّرت عبر ملايين السنين لتتكيف مع بيئاتها الحيوية بما يضمن الحد الأدنى من التوازن والاستقرار. غير أن الإنسان يمثّل، في هذا السياق، انحرافًا عن المسار التطوري المألوف.
فبينما تتحدد المجالات الحيوية للحيوانات وفق قوانين بيئية صارمة — كالتوزع الغذائي، أو حدود التزاوج، أو شروط الدفاع عن النطاق الحيوي — نجد أن الإنسان يعيش في صراع دائم مع حدوده، محاولًا توسيعها وإعادة تعريفها بلا توقف.
ومن هنا تبرز الإشكالية المحورية:
كيف أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يتعايش مع حدوده، بل يعيد باستمرار صياغتها حتى لو كان ذلك على حساب بقائه؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تستند الورقة إلى منهج تحليلي–أنثروبولوجي، يسعى إلى تفكيك منظومة العدوان البشري، بوصفها مفتاحًا لفهم هذا السلوك غير الطبيعي.
يُعرَّف المجال الحيوي (biotope) بأنه الحيّز الذي يوفّر للكائن شروط البقاء، ضمن علاقة تفاعلية بينه وبين بيئته. في الطبيعة، تبقى هذه العلاقة خاضعة لقانون التوازن الحيوي؛ فالحيوان لا يتجاوز حدوده إلّا بمقدار ما يحفظ له البقاء.
في معظم الكائنات، يمثل العدوان ردّ فعل دفاعيًا مؤقتًا، يهدف إلى حماية الغذاء أو النسل. وهو محكوم بغريزة البقاء، لا بتصورات رمزية أو أخلاقية.
أما عند الإنسان، فقد فقد العدوان هذه المحدودية، وتحول إلى وظيفة رمزية وثقافية تتجاوز البقاء إلى الهيمنة والسيطرة.
يتميّز الإنسان بقدرته على الوعي بالذات، وهي الميزة التي كان يُفترض أن تجعله أكثر اتزانًا مع بيئته. غير أن هذه الميزة نفسها أدت إلى انفصاله عن الطبيعة.
فالوعي الذاتي جعل الإنسان يدرك حدوده، ثم يسعى إلى تجاوزها. وهكذا أصبحت كل خطوة تطورية لديه — من اختراع الأدوات إلى السيطرة على البيئة — نوعًا من العدوان الرمزي على حدوده الحيوية.
لقد فقد الإنسان إحساسه بالانتماء إلى منظومة الطبيعة، فاستبدل “التكيّف” بـ“التملّك”، و“التوازن” بـ“الهيمنة”.
وفي هذا التحول الجذري، يمكن قراءة العدوان البشري لا بوصفه استمرارًا للغريزة الحيوانية، بل بوصفه تحوّلًا إبستمولوجيًا في معنى الوجود ذاته.
يمكن القول إن الطفرة التطورية التي أصابت الإنسان لم تكن في العضو، بل في المعنى.
فالعدوان الذي كان يهدف إلى البقاء، أصبح يهدف إلى إعادة تعريف الذات عبر نفي الآخر.
كل إنجاز بشري — علمي، اقتصادي، تقني، أو سياسي — ينطوي، في جوهره، على بعد عدواني مستتر: السيطرة على الطبيعة، إخضاع الآخر، أو إعادة صياغة العالم على صورة الإنسان.
يتخذ العدوان عند الإنسان شكلًا مزدوجًا: فهو طاقة خَلْقية تدفع نحو الإبداع، وفي الوقت نفسه طاقة تدميرية تهدد الوجود الجمعي.
ومن هنا فإن ما يُسمى “العبقرية الإنسانية” قد تكون الوجه الآخر لـ“الاختلال العدواني” الذي يجعل الإنسان الكائن الوحيد القادر على تدمير بيئته وهو يظن أنه يطورها.
منذ أن ترك الإنسان حياة الصيد وجمع الثمار وبدأ بالزراعة، بدأ فعليًا توسيع حدوده الحيوية.
لم تعد الأرض مجرد مجال للعيش، بل مشروعًا للتملك. ثم جاءت الثورة الصناعية لتجعل الطبيعة موضوعًا للاستغلال الشامل، فتحوّل “المجال الحيوي” إلى مستعمرة بشرية كبرى.
اليوم، لا يكتفي الإنسان بتوسيع حدوده المادية، بل يسعى إلى توسيع حدوده الإدراكية عبر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتجاوز قيد الوعي ذاته.
وهكذا يمتد العدوان إلى ما وراء الجسد والطبيعة، ليطال ماهية الإدراك والوعي، أي المجال الحيوي المعرفي للإنسان.
• إنّ العدوان البشري ليس استمرارًا للغريزة الحيوانية، بل انحرافٌ معرفي–تطوري جعل من الإنسان كائنًا يعيش خارج حدود بيئته الطبيعية.
• إعادة تعريف المجال الحيوي هي تعبير عن خلل بنيوي في منظومة تعريف العدوان، التي فقدت وظيفتها الدفاعية وتحولت إلى وظيفة رمزية للتفوق.
• ما نعدّه تقدّمًا حضاريًا هو في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لهذا الخلل، حيث يقيس الإنسان تطوره بقدرته على السيطرة لا بقدرته على التوازن.
يمثل الإنسان الكائن الوحيد الذي يسعى لتجاوز ذاته باستمرار، غير أن هذا التجاوز لم يعد محكومًا بوعي التوازن، بل بوعي السيطرة.
وبذلك، صار الإنسان يعيد تعريف مجاله الحيوي عبر تدميره، ويعيد تعريف ذاته عبر نفي الآخر.
إنّ هذا السلوك، وإن بدا مظهرًا من مظاهر التقدم، ليس إلا انعكاسًا لخللٍ تطوريٍّ في منظومة العدوان التي أصابها التضخم المعنوي حتى فقدت وظيفتها الأصلية.
ولعلّ مستقبل الإنسان، إن أراد النجاة من نفسه، مرهون بقدرته على إعادة تعريف العدوان بوصفه فعل توازن لا فعل سيطرة، وإعادة اكتشاف المجال الحيوي بوصفه مجالًا للعيش المشترك، لا ميدانًا للغزو المستمر.

أضف تعليق