
في القرآنِ العظيم حقائقٌ يحتِّمُ علينا تدبُّرُها وجوبَ أن نراجعَ كثيراً من مسلَّماتِنا وقناعاتِنا وما تواضعنا على اعتبارِه مما لا يرقى إليه شك ولا يعتوره ما يحول دون ما أصدرناه من أحكامٍ وخلصنا إليه من نتائج. ومن بين هذه المسلَّمات والقناعات جزمُنا بانتفاءِ وجودِ أيِّ أثرٍ للتوراةِ حين كان القرآنُ العظيم يُنزَّل على قلبِ رسولِ اللهِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. فالثابت عند كثيرٍ منا أنَّ ما بين أيدينا اليوم من العهدِ القديم هو ما كان بين أيدي اليهود الذين عاصروا تنزُّلَ القرآن. فالتوراةُ كما أنزلَها اللهُ تعالى على النبيِّ موسى لم يكن لها أيُّ تواجدٍ في ذلك الزمان، وذلك وفقاً لما أجمع عليه سوادُنا الأعظم. وهذا زعمٌ خاطئ يدحضُه ويفنِّدُه القرآنُ العظيم في مواضعَ منه عديدة، وهو إن دلَّ فإنما يدلُّ على إصرارِ الكثيرين منا على أن يغلِّبوا أنصافَ الحقائق، والتفسيرات التي تفتقرُ لكلِّ ما يجعل منها صائبةً متسقةً مع كاملِ النصِّ القرآني، على ما جاءنا به القرآنُ من حقائق. فكم من حقيقةٍ قرآنيةٍ أعرضنا عنها لا لشيءٍ إلا لأنها تتعارضُ مع أفكارِنا المسبقة وأحكامِنا المؤدلَجة؟
وخيرُ مثالٍ على هذا الحيود عن الحقِّ القرآني، في مقابلِ تقبُّلِ وتمثُّلِ كلِّ ما يتعارضُ معه، إصرارُ الكثيرِ منا على القولِ في المَلَكين هاروت وماروت ما لم يقله فيهما النصُّ القرآني. فبأيِّ حقٍّ نحيد عما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 102 من سورةِ البقرة من تفصيلٍ لقصةِ هذين المَلَكَين الكريمَين، ونغلِّب في المقابل أباطيلَ وخرافاتٍ ما أنزلَ اللهُ تعالى بها من سلطان؟! فالقرآنُ العظيم أنبأنا بأنَّ هاروت وماروت ملَكان أرسلهما اللهُ إلى بابل وأنزلَ عليهما عِلماً جعله فتنةً لأهلِها: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون). ولم يرِد في القرآن ما يتفقُ مع ما ذهب إليه كثيرٌ من المفسرين من قولٍ في هذين الملَكين لا أصلَ قرآنياً له.
إنَّ تدبُّرَ هذا المثال كفيلٌ بأن يُعينَنا على تبيُّنِ السببِ الذي جعل كثيراً منا يقطع بانتفاءِ وجودِ التوراة في زمانِ رسولِ اللهِ سيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، معارضين بذلك ما ورد في القرآنِ العظيم من قولٍ خلافَ ذلك:
1- (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) (من 43 المائدة).
2- (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (من 157 الأعراف).
3- (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (93 آل عمران).
إنَّ الحقيقةَ التي كشف لنا القرآنُ العظيم النقابَ عنها، والمتعلقةَ بكونِ التوراة كما أُنزلت على النبي موسى كانت بحوزةِ اليهود الذي عاصروا رسولَ اللهِ سيدَنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، تضطرُّنا للبحثِ عن إجابةٍ على السؤالِ التالي: ما الذي حدث فجعل التوراة التي أنزلها اللهُ تعالى على النبي موسى تتوارى عن الأنظار ليحلَّ محلَّها كتابٌ آخر هو “العهدُ القديم”؟ ولذلك فإنَّ السؤالَ المنطقي التالي هو: أين هي التوراةُ الأصلية؟
