
حين قال آرثر بريسبان عبارته الشهيرة: “استخدم صورة، فإنها تعدل ألف كلمة” (Use a picture, it’s worth a thousand words)، لم يكن يدري أن عبارةً أخرى، أكثر اختزالاً وأشد وقعاً، ستظهر لاحقاً لتكثّف في ثلاث كلماتٍ فقط سؤالاً وجودياً يوازي في عمقه ملايين الصفحات من البحث العلمي:
«أين الجميع؟» — الصرخة التي أطلقها عالم الفيزياء الإيطالي الأمريكي أنريكو فيرمي ذات يومٍ في منتصف القرن العشرين، فكانت الشرارة التي أطلقت ما عُرف لاحقاً بـ مفارقة فيرمي (Fermi Paradox)، وهي من أكثر الأسئلة استفزازاً في تاريخ العلم الحديث.
من الناحية الفيزيائية، تقوم مفارقة فيرمي على مبدأ رياضي بسيط:
إذا كان الكون، وفقاً لقوانين الفيزياء الفلكية، واسعاً إلى هذا الحد، وإذا كان عمره يُقدَّر بمليارات السنين، وإذا كانت الحياة قد نشأت على الأرض في فترة زمنية قصيرة نسبياً بعد تكونها، فإن الاحتمال الإحصائي لوجود حضارات ذكية أخرى في هذا الكون يُفترض أن يكون مرتفعاً للغاية.
بل إنَّ معادلة «دريك» الشهيرة (Drake Equation) — التي تُستخدم لتقدير عدد الحضارات المتقدمة القادرة على التواصل — تشير إلى أن مجرّتنا وحدها ينبغي أن تعجّ بمئات آلاف العوالم الذكية.
ومع ذلك، لم يلتقط علم الفلك الراديوي منذ خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم أي إشارة مؤكدة تُثبت وجود كائنات عاقلة خارج الأرض.
فهذا الصمت الكوني المطبق جعل فيرمي يصيح بدهشةٍ واستنكار:
«أين الجميع؟»
كأنه أراد أن يقول: أين ذهبت كل تلك الحضارات التي تُحتِّم القوانين الفيزيائية والمنطق الإحصائي أن تكون موجودة؟
تحوّلت مفارقة فيرمي سريعاً من سؤال علمي إلى تحدٍ إبستمولوجي للإنسانية نفسها.
فهي تذكّرنا بأن الإنسان، على الرغم من تفوقه المعرفي، ما زال عاجزاً عن إدراك البنية الكونية الكبرى، وأن أدواته — العلمية والعقلية — ليست سوى مصابيح صغيرة تحاول أن تضيء ليلًا لا نهائيًّا من المجهول.
إنّ صرخة فيرمي لا تكشف فقط غياب “الآخر الكوني”، بل تفضح في الوقت ذاته وهْم الاكتفاء الذاتي للمعرفة البشرية.
فالإنسان — وهو يقيس الكون بمقاييسه الأرضية — قد نسي أنه جزء من معادلةٍ أكبر من ذاته، وأن “الغياب” الذي يتساءل عنه ربما لا يُقاس بوسائله ولا يُدرك بمفاهيمه.
من هنا تكتسب مفارقة فيرمي بعدًا أخلاقيًا ومعرفيًا: فهي تُذكّر العلماء بأنّ الكون أكثر تعقيداً من معادلاتهم، وأن التواضع ليس موقفاً روحياً فحسب، بل هو أيضاً ضرورة علمية.
فكل اكتشاف جديد يفتح بابًا أوسع للمجهول، وكل محاولة لتفسير الصمت الكوني (سواء بنظرية “الفلتر العظيم” أو “الانعزال التطوعي للحضارات”) تُعيدنا إلى نقطة البدء: جهلنا البنيوي بآليات الوجود.
“أين الجميع؟” ليست سؤالاً موجهاً إلى الفضاء، بل إلينا نحن.
فلعلّها، في جوهرها، صرخة إنسانٍ يبحث عن ذاته بين النجوم — صرخة تذكّرنا بأننا ما زلنا، رغم كل تقدمنا، نعيش في عزلةٍ كونية تختبر معنى وعينا، لا اتساع علمنا.
وربما كان الصمت الذي يجيبنا من أعماق الفضاء هو الدرس الأعظم: أن الكون ليس صامتًا، بل نحن الذين لا نزال لا نحسن الإصغاء.
