
تعد قصص بني إسرائيل عبر التاريخ من أكثر السرديات التي تناولتها الكتب الإلهية، لكن بعض الوقائع الكبرى تظهر في سياق كتاب وتغيب أو تُحذف تفاصيلها من كتاب آخر. ولعل أبرز هذه الوقائع هي حادثة “أصحاب السبت”، تلك القصة التي تروي كيف عاقب الله قوماً من بني إسرائيل اعتدوا على حرمة اليوم الذي أمروا بتعظيمه، بمسخهم إلى قردة وخنازير.
هذه الحادثة، على عظمتها وكونها نكالاً ووعظاً، نجدها غائبة بشكل واضح وصريح عن أسفار العهد القديم (التوراة المتداولة حالياً). هذا الغياب الصادم يدفعنا إلى التساؤل: هل من المنطقي أن تُهمل واقعة بهذا القدر من الأهمية الإلهية في النص المنسوب للتوراة؟ إن عدم وجودها يدفع بنا نحو فرضية لا مناص منها: وجود نسخة مفقودة أو محذوفة من التوراة كانت تحوي هذه القصة وتفاصيلها. ويقوي هذه الفرضية عدد من الأسانيد النصية والتراثية التي سنفصلها تالياً.
المحور الأول: “أصحاب السبت” في ميزان النصوص الدينية
1.1. غياب العقوبة في العهد القديم
يؤكد العهد القديم في سفر الخروج والعديد من النصوص الأخرى على قدسية يوم السبت وضرورة تعظيمه واحترام حرمته، ومن يخالف ذلك يستحق العقاب. ومع ذلك، وعندما نبحث في أسفار التوراة المتداولة حالياً عن تفاصيل عقوبة المسخ بالذات للمعتدين على السبت، فإننا لا نجد لها أثراً. هذا الغياب يخلق فجوة نصية لا يمكن تبريرها بسهولة، خاصةً وأن القصة لم تختفِ من الوجود بل بقيت حاضرة وقوية في نص آخر.
1.2. إثبات القرآن الكريم وخطاب الإلزام
في المقابل، يتناول القرآن الكريم الواقعة بوضوح وإلزام، ويقدم التفاصيل الدقيقة للعقاب:
• في سورة الأعراف: {فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166].
• وفي سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65].
• وفي سورة المائدة، يتم ذكر القردة والخنازير معاً: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ…} [المائدة: 60].
النقطة الجوهرية هنا تكمن في صياغة الخطاب القرآني: “وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ”. هذا الخطاب كان موجهاً إلى بني إسرائيل المعاصرين للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو صيغة تفيد التقرير والتذكير بمعلومة يعرفونها مسبقاً ولا ينكرونها. لو لم تكن هذه القصة معروفة لهم عبر تراثهم الديني (التوراة أو المخطوطات السابقة)، لكان رد فعلهم اعتراضاً على معلومة جديدة ومخالفة لما لديهم. لكن عدم اعتراضهم على جوهر الواقعة يدل على أن الحادثة وتفاصيلها كانت جزءاً أصيلاً من معرفتهم المتوارثة أو النصوص التي كانت بحوزتهم قبل تحريفها أو فقدانها. هذا يقوي بقوة فرضية وجود نص توراثي سابق ومفقود كان يحوي تلك التفاصيل.
المحور الثاني: صداها الميثولوجي… هوميروس وتحويل البشر إلى خنازير
يُضاف إلى قوة الدليل النصي، وجود صدى لهذه العقوبة في التراث البشري القديم، تحديداً في الميثولوجيا الإغريقية، مما يشير إلى أن القصة كانت واسعة الانتشار والشيوع في المنطقة قبل تدوين الملاحم.
2.1. رابط التحول العقابي (Metamorphosis) في الأوديسة
في ملحمة الأوديسة للشاعر الإغريقي هوميروس، تظهر شخصية الساحرة سيرس (Circe)، التي تقوم بتحويل رفاق البطل أوديسيوس إلى خنازير عن طريق السحر، كعقاب لهم على طمعهم أو كمحاولة لإخضاعهم.
2.2. التحليل والتأصيل
إن جوهر التشابه هنا ليس في الأداة (قوة إلهية مقابل سحر)، بل في التفصيل العقابي نفسه: التحول الميتامورفوسي من بشر إلى خنزير.
الخنزير تحديداً هو أحد الحيوانات التي ذكرها القرآن كشكل من أشكال المسخ العقابي. هذا التشابه في جوهر العقوبة المحددة (المسخ إلى خنزير) بين قصة دينية تاريخية (أصحاب السبت) وبين ملحمة إغريقية قديمة (الأوديسة)، يعزز بقوة الفكرة القائلة بأن القصة كانت شائعة ومؤثرة، وأن تفاصيلها قد تسربت من التراث الديني التوراتي الأصلي إلى الثقافة الإغريقية القديمة، حيث فقدت سياقها الإلهي لتتحول إلى صيغة ميثولوجية أو حكاية سحرية.
إن هذا الاقتباس الميثولوجي الغريب وغير المبرر إلا بوجود مصدر مشترك قديم، يدعم بقوة فرضية أن التوراة المفقودة هي المصدر الأصلي الذي حفظ القصة بكل تفاصيلها قبل أن تُحذف من النسخ المتداولة، وتستبقي الثقافات المجاورة على أجزاء منها.
مشروعية البحث عن التوراة المفقودة
في ضوء ما تقدم، تتضافر ثلاثة محاور رئيسية لتدعم قضية البحث عن التوراة المفقودة:
• الفجوة النصية في العهد القديم الحالي.
• الخطاب القرآني الذي يفترض معرفة مسبقة بالحادثة من قبل المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وسلم).
• الصدى الميثولوجي في الأوديسة الذي يحمل بقايا جوهر العقوبة (المسخ إلى خنازير).
إن هذه الأدلة مجتمعة تجعل من التساؤل عن وجود نصوص توراثية قديمة مفقودة تحوي تفاصيل هذه القصة أمراً منطقياً ومقنعاً. فالبحث عن التوراة المفقودة ليس مجرد ترف فكري، بل هو محاولة لإعادة ربط الحلقات المفقودة في السردية الدينية التاريخية، واستجابة للإشارات القوية التي تتركها النصوص الإلهية والميثولوجيا معاً.
