
من بين الأسئلة التي لازمت الفكر الإنساني منذ فجر الوعي سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه من أكثرها عمقًا واستعصاءً: هل العالَم وَهم؟
لقد كان هذا السؤال موضوعًا متكررًا في التأملات الفلسفية، من الكهوف الرمزية لأفلاطون، إلى تأملات البوذيين في “المايا”، إلى استقصاءات الفلاسفة المحدثين عن حدود الإدراك. وهو سؤال يطال جوهر العلاقة بين الوجود والوعي، بين ما هو كائن وما هو مُدرَك.
لكن هذا السؤال، الذي قد يبدو ميتافيزيقيًّا أو عبثيًّا للبعض، ظل يعبّر عن أزمة الإنسان مع ذاته: هل ما يدركه حقيقة موضوعية أم إسقاط ذاتي؟ وهل يمكن للعقل أن يثق في مرآته الداخلية دون أن يكون ضحية لوهمها؟
تبدأ القصة مع أفلاطون في أسطورته الشهيرة “كهف أفلاطون”، حيث يعيش البشر مقيدين في ظلالٍ تُعرَض أمامهم على جدار الكهف، فيتوهمونها العالم الحقيقي. هنا، يصبح الوهم هو الإدراك اليومي، والحقيقة هي ما وراء الظلال.
أما أرسطو، فقد أعاد الاعتبار إلى العالم المحسوس باعتباره وجودًا حقيقيًّا يمكن للعقل أن يدركه من خلال التجربة والمشاهدة، فكان بذلك المؤسس الأول للنزعة الواقعية في الفلسفة.
وفي العصور الحديثة، بلغت الفكرة ذروتها مع كانط الذي ميّز بين “الشيء في ذاته” (Ding an sich) الذي لا يمكن للعقل الإحاطة به، و”الظاهرة” التي يدركها العقل ضمن حدوده الإدراكية. أما شوبنهاور، فقد رأى أن العالم تمثُّل إراديّ، أي صورة تتشكّل داخل الوعي، مما أعاد الاعتبار لفكرة “الوهم” من منظور إرادي-نفسي.
وفي المقابل، طرحت الفلسفات الشرقية، ولا سيما الهندوسية والبوذية، مفهوم “المايا” باعتباره الحجاب الكوني الذي يحجب الحقيقة المطلقة عن الإنسان. فالوجود الظاهر ليس إلا تمثّلًا متبدلًا لجوهرٍ لا متبدّل.
ثم جاء القرن العشرون ليحمل رفضًا لهذا النوع من الأسئلة عبر المدرسة الوضعية المنطقية التي اعتبرت أن سؤال “هل العالم وهم؟” لا معنى له لغويًا، لأنه لا يمكن التحقق من صدقه أو كذبه عبر التجربة. إلا أن هذا الرفض لم يُنهِ السؤال، بل كشف حدود المنهج العلمي حين يواجه الميتافيزيقا.
تبدو فكرة “العالم الوهمي” متعارضة جذريًّا مع ما تقضي به قوانين الفيزياء. فوجود الكون المادي مرتبط بطاقة محدّدة قابلة للقياس، ولا يمكن لعالمٍ أن يكون “وهمًا” ثم يستهلك طاقة حقيقية.
لو كان الكون مجرّد وهم إدراكي، لكان وجود الطاقة نفسها مستحيلًا، لأن “الوهم” لا ينتج أثرًا فيزيائيًا. الطاقة التي تتحكم في تكوين المجرّات وتمدّ الوجود بفاعليته لا يمكن أن تكون انعكاسًا ذهنيًا.
ومع ذلك، فإن فيزياء الكم أعادت طرح السؤال بطريقة جديدة: فالملاحِظ يؤثر في الظاهرة التي يرصدها. فهل هذا يعني أن الواقع يتشكل بحسب وعي الراصد؟
الجواب: إنّ هذا لا يعني أن العالم وَهم، بل إن إدراكنا له مشروطٌ بموقعنا ووعينا. فالفيزياء الكوانتية لا تنفي الوجود الموضوعي، لكنها تكشف حدود الإدراك البشري له. إنها تصحّح الوهم لا لتلغيه، بل لتعيد الإنسان إلى تواضع الوعي أمام عظمة النظام الكوني.
إذا تجاوزنا المقاربات المادية، ونظرنا إلى الظاهرة الدينية عبر عدسةٍ تاريخية ولسانية، أمكننا أن نرى أنَّ فكرة “الوهم” ارتبطت منذ القدم بطبيعة الإدراك الإنساني لا بحقيقة العالم.
فالدين في بداياته الأولى – كما تكشف الدراسات اللغوية المقارنة – لم ينشأ عن الخوف من الطبيعة أو الحاجة إلى تفسير المجهول، بل عن إقرارٍ بوجودٍ أعلى متعالٍ هو مصدر النظام الكوني. ومن هنا، فإن الإنسان الأوّل لم يبدأ بالتعددية، بل بالتوحيد، ثم انحرف تدريجيًا نحو تأليه الظواهر والقوانين.
في ضوء ذلك، يمكن إعادة قراءة عبارة “العالَم وَهم” كما لو كانت تحذيرًا من الانخداع بظاهر الوجود لا نفياً له.
العالَم لا يصبح وَهمًا إلا حين يعتقد الإنسان أن القوانين التي تحكمه تتحرك بذاتها، دون خالقٍ أقامها. بذلك يتحول العقل إلى عابدٍ لقوانينه، والعلم إلى ميتافيزيقا جديدة، والوهم إلى ديانةٍ مقنّعة.
في هذا الإطار، يصبح التمييز بين العالم الحقيقي والعالم الوهمي أمرًا وجوديًّا لا إدراكيًّا فحسب:
• العالم الحقيقي هو العالم الذي يقوم بالله، الذي بثّ فيه من قوانينه ما يحفظ توازنه ووجوده.
• العالم الوهمي هو ما يتصوّره الإنسان مكتفيًا بعقله، متوهّمًا أنه قادر على الإحاطة بكلّ شيء دون حاجة إلى مرجعية تتجاوز وعيه.
يشبه هذا في بعض جوانبه رؤية أفلاطون لعالَم المُثُل، أو طرح بودريار عن “الواقع المحاكى” (Simulacra) الذي تذوب فيه الحقيقة تحت طغيان الصور والتمثيلات. غير أن الفارق الجوهري هنا هو أن الوهم ليس في الواقع المادي، بل في الوعي الذي يفصله عن مصدره الإلهي.
يظهر من مجمل المقاربة أن القول “العالَم وَهم” يحمل أكثر من مستوى:
• من الناحية الأنطولوجية: العالم موجودٌ حقيقةً، وليس وهماً في ذاته.
• ومن الناحية الإبستمولوجية: قد يكون وَهمًا في وعينا إذا اعتقدنا أننا نُدركه بذواتنا.
• ومن الناحية الدينية: يصبح العالم وَهمًا حين ننسى أنه قائم بخالقه.
هكذا نصل إلى استنتاج مفاده أن الوهم لا يكمن في العالم، بل في نظرتنا إليه. وأن الاعتراف بعجز الإنسان عن الإحاطة المطلقة ليس ضعفًا بل حكمة، تُعيد للعقل توازنه أمام سرّ الوجود.
حين نعيد طرح السؤال الأول: هل العالَم وَهم؟
يأتي الجواب لا على نحو النفي أو الإثبات، بل على نحو الإدراك المتواضع:
العالَمُ وهمٌ إن ظننت أنك تُدركه بذاتك، وحقيقةٌ إن أقررت بعجزك عن الإحاطة بخالقه.
فالوهم ليس في الأشياء، بل في الإنسان الذي يتوهم أنه الإله الذي يفسّرها.
