
تُعدّ “فلسفة الدين” للفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831) مشروعًا رائدًا يهدف إلى دمج الوعي الديني ضمن نَسَق العقل المطلق وتطوره التاريخي. ومع اعترافنا بالعبقرية المنهجية التي اتبعها هيغل في تتبع تجليات الروح المطلقة، فإن مقارَبته لا تخلو من مآخذ نقدية جوهرية تكشف عن ذاتية خفية أثرت على موضوعيته المعلنة. ويمكن تلخيص النقد الموجه لمقاربة هيغل للدين في مأخذين رئيسيين:
1. المأخذ الأول: الحضور الخفي للخلفية المسيحية (هَيمَنة الثلاثية والذروة)
يزعم هيغل أن منهجه هو عقلاني تاريخي مطلق، يتتبع التطور الضروري للوعي الإنساني، إلا أن البناء الفلسفي لمشروع “فلسفة الدين” يكشف عن تأثر عميق بماضيه المسيحي الذي نشأ عليه، مما أفرغ مقارَبته من الموضوعية المزعومة. ويتجلى هذا التأثر في جانبين:
أ. هَيمَنة الثالوث الجدلي (الرقم 3)
يُلاحظ أن هيغل قد أسس نظامه الفلسفي بالكامل على بنية ثلاثية (Thesis – Antithesis – Synthesis)، أو ما يسميه هو نفسه “الجدل” (Dialectic). هذا الهيكل الثلاثي، الذي يُقسَّم به كتابه “فلسفة الدين” إلى: فكرة الدين، الأديان المُعينة، والدين المطلق، لا يمثل مجرد أداة منهجية محايدة، بل يتردد صداه مع العقيدة الثالوثية المسيحية (الآب، الابن، الروح القدس) التي تشكل جوهر اللاهوت المسيحي، وتتجلى بشكل رمزي في تقسيماته الفكرية. إن هذا الاعتماد المفرط على نمط التفكير الثلاثي يثير تساؤلات حول مدى حيادية المنهج أمام البنية العقائدية الخلفية للفيلسوف .
ب. المرحلة الأخيرة ليست ضرورية منطقية بل اختيار عقائدي
يُشكل تصنيف هيغل للأديان، الذي يضع المسيحية على أنها “الدين المطلق” أو “دين الوحي” في المرحلة الثالثة والأخيرة، ذروة النقد. في هذا التصنيف، تتحقق الوحدة بين الروح المطلقة والوعي البشري في فكرة التجسد (Incarnation)، وهي الفكرة التي تُعدّ حجر الزاوية في فهم العلاقة بين المسيح والروح المطلقة في العقيدة المسيحية.
بوضع المسيحية في قمة التطور الديني، حيث يتم حل ثنائية الإله والإنسان، فإن هيغل لم يقدم تحليلاً موضوعيًا لتاريخ الدين، بل قام بتأويل تاريخي يخدم ويُبَرْهِن على عقيدته المسبقة. المقاربة الهيغلية، التي تبدو وكأنها مسيرة عقلانية نحو الكمال، تُصبح في حقيقتها رحلة ذاتية تبرر التفوق الفلسفي للدين الذي نشأ عليه الفيلسوف.
2. المأخذ الثاني: إجهاض دور العقل تجاه الرمز والمعجزة (قصور التمثل)
يرى هيغل أن المضمون الحقيقي للدين هو الفكرة (العقل المطلق)، وأن التمثل (القصص، الرموز، المعجزات) هو مجرد الشكل الحسي الأدنى الذي يحتاج إلى أن يرتفع إلى مستوى المفهوم الفلسفي. لذا، فهو يقارب القصص المقدسة والمعجزات على أنها أشكال رمزية لا ينبغي إضاعة الوقت في تحليلها عقلياً، لأن وظيفتها تقتصر على كونها إشارات تذكّر الإنسان بالمطلق دون أن تشغل عقله بجدواها السببية أو منطقها الظاهري.
وهذا التخريج يواجه مأخذين نقديين:
أ. تقليص دور العقل
إن نزع صفة التفكير العاجل عن الرمز والمعجزة، وتقزيم دورهما إلى مجرد “ذكرى” أو “إشارة عابرة”، هو في الحقيقة إجهاض للدور الحقيقي للعقل. فالعقل، كأداة للمعرفة، يجب أن يُفعَّل بشكل كامل تجاه كل تجليات الوجود، بما فيها الأحداث الخارقة.
ب. الدعوة إلى التفكير المستمر
تُعتبر القصص المقدسة والمعجزات نقاط تحول في التجربة الروحية، وهي لا تهدف إلى الهروب من التفكير، بل على العكس تماماً، إنها تهدف إلى استفزاز العقل ليبقى في حالة من التفكير المستمر والمضني. المعجزة، لكونها لا تخضع للقوانين السببية المعتادة، تُجبر العقل على:
• البحث عن العلة الكامنة: لماذا حدث هذا؟ وماذا يعني أن يحدث هذا الخرق للقانون؟
• تجاوز الحدود المعرفية: تدفع الإنسان إلى محاولة فهم المعنى الكامن وراء الأحداث التي تتجاوز الإطار المادي، وبالتالي تعمل كأداة قوية لشدّ الإنسان في مسيرته الروحية صوب الكمال.
من خلال إصراره على أن المعنى الحقيقي يكمن فقط في “المفهوم” الذي تستخلصه الفلسفة، يقلل هيغل من القيمة المعرفية والتحفيزية لـ “التمثل” الديني، ويمنع العقل من القيام بدوره النقدي والتحليلي تجاه الرموز التي تشكل جوهر التجربة الدينية الإنسانية.
لقد كان هيغل رائدًا في مقاربته الدين مقاربة فلسفية، لكن مقارَبته “لفلسفة الدين” تكشف عن تناقض بين الهدف المعلن (الموضوعية المطلقة) والتحقيق الفعلي (الذاتية المسيحية). من خلال تبرير هيمنة المنهج الثالوثي ووضع المسيحية كذروة تاريخية، وتقليص دور العقل تجاه الرمز، فإن هيغل لم ينجح كليًا في صياغة تحليل موضوعي للتجربة الدينية، بل قدم عَقْلَنة لمنظوره الديني الخاص.
