دعوة لإعادة كتابة منهج فلسفة الفيزياء

لطالما وُصفت فلسفة الفيزياء بأنها الجسر النقدي الذي يصل بين الإنجازات التجريبية للعلم والآثار الميتافيزيقية المترتبة عليها. لكن هذا الحقل المعرفي، منذ نشأته، يبدو أنه سار في مسار مكرر ومحدود، مُصرًّا على فرض مجموعة من المفردات والمباحث بعينها على كل من يبتغي التفلسف في المعرفة الفيزيائية. إن الإصرار على تضييق الأفق الفلسفي في مواجهة التوسّع اللامحدود للفيزياء يثير تساؤلاً جوهرياً: هل أصبحت فلسفة الفيزياء مجرد أداة لإضفاء الشرعية على مسلمات قديمة، بدلاً من أن تكون قاطرة للتفكير النقدي الجديد؟
إن جوهر النقد الموجه لفلسفة الفيزياء المعاصرة يكمن في تناقضها المنهجي الذي يفرضه المقرر الأكاديمي لمباحثها:
• الفيزياء والميتافيزيقا المرفوضة: تزعم الفيزياء أنها “علم تجريبي موضوعي” لا يغادر المختبر أو ميدان الأبحاث القابل للتحقق. فكيف لها أن تصر على الانشغال العميق، فلسفياً، بقضايا ميتافيزيقية بحتة؟ إن محاور مثل “طبيعة الزمان والمكان”، و**”تفسيرات ميكانيكا الكم”** (خاصة قضية الواقعية واللاحتمية)، هي في صميمها قضايا أنطولوجية وفلسفية لم يتوصل فيها الفلاسفة أنفسهم إلى إجماع منذ قرون.
• السؤال النقدي: إذا كانت الفيزياء تهدف إلى إجماع صارم حول “الحقائق”، فلماذا تُلزم نفسها بـ “فلسفة” عاجزة عن تحقيق أي إجماع في مباحثها الرئيسية؟
• اختزال الفلسفة إلى مباحث عتيقة: يصر القائمون على “منهاج” فلسفة الفيزياء على تكرار قضايا تقليدية عفا عليها الزمن نسبياً، مثل مناقشات الاختزالية (Reductionism) أو العلاقة بين الديناميكا الحرارية والميكانيكا الإحصائية، في الوقت الذي تظهر فيه قضايا فيزيائية وفلسفية جديدة تتطلب اهتماماً فورياً.
أحد أشد أوجه التناقض الصارخ هو الإحجام المتعمد والمبرر عن البحث الجدي في “الظواهر الخارقة” (Paranormal Phenomena) بحجة كونها تنطوي على مفردات ميتافيزيقية غير قابلة للقياس المنهجي.
• مقارنة نقدية: إذا كانت فلسفة الفيزياء تستهلك وقتها في محاولة تبين ما إذا كان المكان كياناً مستقلاً (مادة) أو مجرد علاقة (علائقي)، وهي قضية ميتافيزيقية خالصة، فلماذا لا يستشعر الفلاسفة أي غضاضة في إقصاء أي بحث جدي في ظواهر لا تنتهك بالضرورة القوانين الفيزيائية المعلومة، بل ربما توسّعها؟
إن المنهج العلمي الصارم الذي تفتخر به الفيزياء قائم على الإجماع الكوني على الحقائق. لكن فلسفتها، التي من المفترض أن تكون انعكاساً لنقائها، ترفض الخوض في مجالات بحثية قد تضطرنا إلى إعادة كتابة الفيزياء وفلسفتها من جديد، وذلك خوفاً من الخروج عن الإجماع الفلسفي المُسبق والمُقيّد.
إن فلسفة الفيزياء في حالتها الراهنة هي أسيرة المباحث الأكاديمية المفروضة، والتي تحكمها الصرامة الشكلية دون العمق المنهجي الحقيقي. لكي تستعيد فلسفة الفيزياء دورها النقدي والطليعي، يجب عليها:
• التحرر المنهجي: فتح المجال للبحث الجدي في الظواهر “النافرة” أو “المُغفَلة” التي تثير تساؤلات حقيقية حول حدود قوانين الفيزياء الحالية، حتى لو تضمنت مفاهيم تبدو ميتافيزيقية.
• مواجهة التناقض: إما أن تكفّ الفيزياء عن الانشغال الفلسفي بقضاياها الميتافيزيقية الجوهرية، وتقتصر على التفسير الرياضي التجريبي، أو أن تعترف بأنها، شأنها شأن الفلسفة، تخوض في مباحث لا يوجد عليها إجماع، وتُوسّع حينها نطاق المباحث التي تقاربها.
لقد حان الوقت لتتوقف فلسفة الفيزياء عن كونها مجرد “نقد لما هو قائم” وتتحول إلى “منصة لاكتشاف ما يجب أن يكون”، حتى لو كان ذلك يعني تفكيك بنيانها المنهجي القديم وإعادة صياغته على ضوء القضايا المعرفية الأكثر تحدياً وإغفالاً.

أضف تعليق