في نقد الميتافيزيقا السياسية للأمم

تتناول هذه المقالة ظاهرةَ تقديس المؤسِّسين في الذاكرة الجماعية للأمم، منطلقةً من تساؤلٍ فلسفي-تاريخي حول حدود التعظيم المشروعة، واللحظة التي يتحوّل فيها المؤسس من رمزٍ بشري إلى أيقونة ميتافيزيقية تُحصّنه الذاكرة من النقد والمساءلة. تستعرض الورقة النموذج الأمريكي في علاقته بـ”الآباء المؤسسين” بوصفه تجلّياً معاصراً لآليةٍ قديمة في صناعة القداسة السياسية، ثم تربط ذلك بالتحليل الأنثروبولوجي للرمز والدين، وبالبنية النفسية للمجتمعات التي تسعى إلى تبرير ذاتها التاريخية عبر تمجيد الأسلاف.
هل للأمم أن تذكر مآثر مؤسِّسيها دون أن ترفعهم إلى مرتبةٍ تُعطِّل مساءلتهم؟
هل من حقها أن تُعيد صياغة سيرتهم تفخيماً لإنجازاتهم، وأن تُخفي ما اشتملت عليه حياتهم من أخطاء وزلات؟
وما الحدُّ الفاصل بين التقدير التاريخي والتنزيه الميتافيزيقي؟
تلك الأسئلة لا تُعنى بالأشخاص بقدر ما تُعنى بالعقل الجمعي الذي ينتجهم ثم يُعيد إنتاجهم، إذ ما إن يُصبح المؤسس ضرورةً رمزية لاستقرار الأمة حتى تُنزِّهه الجماعة من حيث لا تدري، خشية أن يؤدي نقده إلى اهتزاز سرديتها المؤسسة ذاتها.
تُظهر التجربة التاريخية أن كل مشروع قومي يبحث عن لحظة ميلادٍ نقيّة يتكئ عليها. ولأن الواقع لا يهبُ النقاء، يصطنعه الوعي الجمعي عبر أسطرة المؤسس.
لقد تحوّل العديد من قادة الثورات والتحرر القومي إلى رموزٍ فوق-بشرية؛ فـ”واشنطن” و”جيفرسون” في الولايات المتحدة، و”غاريبالدي” في إيطاليا، و”ديغول” في فرنسا، و”لينين” في روسيا، و”ماو” في الصين، جميعهم جرى التعامل معهم بوصفهم كائنات تتجاوز حدود التاريخ إلى ما يشبه الأبدية الرمزية.
إن هذا النمط من التفكير يعيدنا إلى ما قبل الحداثة، حين كان الإنسان البدائي يصنع تماثيل لأسلافه ثم يقدّم لها القرابين.
لقد تبدلت الأدوات، لكن الآلية النفسية واحدة: الحاجة إلى مرجعٍ مطلقٍ يُبرِّر الوجود، ويمنح الجماعة شرعية الاستمرار.
من بين أكثر النماذج وضوحاً يبرز النموذج الأمريكي؛ فـ”الآباء المؤسسون” للأمة الأمريكية The Founding Fathers جرى التعامل معهم في المخيال الأمريكي بوصفهم أنبياء الحرية والعقلانية، لا مجرّد سياسيين نُجَحوا في بناء دولة.
غير أن القراءة التاريخية الدقيقة تُظهر أن كثيراً منهم كانوا ملاكِي عبيدٍ، أو مؤمنين بتفوّق العرق الأبيض، أو متورطين في سياساتٍ توسعية قامت على محو شعوبٍ بأكملها.
ومع ذلك، فإن الثقافة الأمريكية الحديثة ما زالت تُقدِّمهم كـ”رُسُلٍ علمانيين”، وترفعهم إلى مرتبةٍ تُقارب القداسة الدينية، لتُخفي خلف الصورة المثالية تناقضات الولادة الأولى للجمهورية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
فأمةٌ وُلدت على شعار الحرية تُخفي خلف أسطورتها المؤسسة تاريخاً من الإقصاء والعبودية والاستيطان.
يرى علماء الأنثروبولوجيا أن كل جماعةٍ بشرية تحتاج إلى “رمزٍ مُقدَّس” يضمن تماسكها الداخلي، حتى ولو كان هذا الرمز بشرياً.
لكن حين تنتقل القداسة من الدين إلى السياسة، تتحول إلى ميتافيزيقا دنيوية، تتجلّى في عبادة الزعماء أو المؤسسين أو الدساتير أو الأعلام.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن الحداثة لم تُلغِ القداسة بل أعادت توزيعها: فالمعبد أصبح البرلمان، والطقوس صارت احتفالات وطنية، والتماثيل حلت محل الأصنام القديمة.
من هنا فإن المؤسس المقدس هو عرضٌ لأزمة الوعي الحداثي ذاته، الذي لم يستطع التحرر من حاجة الإنسان إلى المطلق، فصنع مطلقاً جديداً في هيئة بطل قومي أو رمز مؤسس.
ليست الدعوة إلى نقد المؤسسين دعوةً إلى هدم الرموز أو محو التاريخ، بل إلى تحرير الذاكرة الجماعية من انتقائيتها، والاعتراف بأن التقدّم الإنساني لا يتحقق إلا عبر النقد المستمر للرموز التي نصنعها.
فحين نُعيد قراءة المؤسسين قراءة بشرية، نُعيد في الوقت ذاته الاعتبار إلى الإنسان ذاته — ذلك الكائن الذي يصيب ويخطئ، يبني ويهدم، يبدع ويضلّ.
أما تقديسهم، فهو ما يجعل الأمم أسيرة ماضيها، عاجزة عن تصحيح حاضرها.
إنّ الأمم التي لا تملك الجرأة على مساءلة رموزها ستبقى تدور في فلكهم.
فالمستقبل لا يُبنى على تماثيل، بل على وعيٍ حيّ قادر على تفكيك تماثيله كلّما تحجّرت.
وعليه، فإن تحرير المؤسس من القداسة هو الخطوة الأولى لتحرير الأمة من أسطورتها، ولتحرير الإنسان من وهم العصمة السياسية الذي يُعيد إنتاج المآسي عبر التاريخ.

أضف تعليق