
كنت قد تحدثت في مقالٍ سابقٍ عنوانُه “مؤسِّسون وليسوا مقدَّسين” عن ضرورةِ قيامِ الشعبِ الأمريكي بمساءلةٍ تاريخية للإداراتِ الأمريكية السابقة وصولاً إلى الآباءِ المؤسسين للأمةِ الأمريكية، وذلك بغيةَ تقديمِ كشفٍ موضوعي يشتمل على كافةِ الأخطاء التي ارتُكبت وتمَّ تكرارُها منذ إدارةِ الرئيس الأمريكي الأول وحتى يومِنا هذا. ولقد أشرتُ في ذلك المقال إلى بعضٍ مما ستعود به هكذا مراجعة على الطبقةِ السياسية الأمريكية من منافع لعل أبرزَها هو “التعلم من أخطاءِ الماضي” حتى لا تتكرر هذه الأخطاء بتعاقب الإدارات الأمريكية.
إن التعلمَ من أخطاءِ الماضي هو الذي سيجنبُنا ما حذر منه الفيلسوف الأمريكي جورج سانتيانا بقولِه “الذين لا يتذكرون الماضي محكومٌ عليهم بأن يكرروه” Those who don’t remember the past are condemned to repeat it. فما التاريخُ السياسي الأمريكي إلا سلسلةٌ متصلة من الأخطاءِ الكارثية التي تتكرر مع كلِّ إدارةٍ جديدة، وما ذلك إلا النتيجةَ المنطقية لـ “تقديس” الشخصياتِ التاريخية، ومنهم الرؤساء الأمريكيون السابقون، وبما يجعل من المتعذر مساءلتَهم أو الحكمَ عليهم وبالتالي تشخيصَ أخطائهم.
ولكن يبدو أنَّ الأمةَ الأمريكية قد دخلت عهداً جديداً استهلته مديرةُ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية يوم أمس (31 أكتوبر 2025) بتصريحِها الصادم والذي مفاده: “أن الوقتَ قد حان لتتوقف أمريكا عن التدخل في شؤونِ غيرِها من الدول بِنيةِ تغييرِ أنظمتِها بالقوة”. فالمديرة أقرت بأن أخطاءَ الإداراتِ الأمريكيةِ السابقة قد تسببت بإزهاقِ ما ليس باليسيرِ إحصاؤه من الأرواح، كما وألحقت أضراراً استراتيجيةً فادحةً بالأمنِ القومي الأمريكي عبرَ التسبُّب في نشوءِ ظروفٍ ساعدت على ظهورِ جماعاتٍ إرهابية.
فلعل إقرارَ المديرة، بأنَّ الإداراتِ الأمريكيةَ السابقة قد اقترفت هذه وغيرَها من الأخطاءِ الكارثية، هو بدايةُ صحوةٍ فكرية هي كلُّ ما يقتضيه الأمر حتى تصبحَ المساءلةُ التاريخية للمسؤولين الأمريكيين السابقين تقليداً يُعمَل به ويعمَّم حتى لا يدَعَ أحداً منهم بمنأى عن أن تطالَه.
