جوزيف كامبل… عبقرية الميثولوجيا بين “الأنماط المؤسِّسة” و”الأسطورة المهاجرة”

يُعد عالم الأساطير الأمريكي جوزيف كامبل (Joseph Campbell) علامة فارقة في دراسة الذاكرة الجمعية للإنسانية. فمنذ صدور عمله الخالد “البطل بألف وجه” عام 1949، وحتى وفاته، أمضى كامبل ما يقرب من خمسة عقود من البحث المضني، عاكفاً على استخلاص الجوهر المشترك بين الحكايات السردية لشعوب الأرض قاطبة.
يشهد لجهد كامبل الفذ سعة الإطلاع التي تجاوزت الحدود الجغرافية والثقافية، مثبتاً أن الأسطورة ليست مجرد حكايات محلية، بل هي تراث إنساني موحّد. وللتعرف على عمق وثراء هذا المشروع، يكفي إلقاء نظرة عجلى على محتويات مكتبته الشخصية التي أهداها لجامعة باسيفيكا في كاليفورنيا، والتي تُعرف اليوم باسم “أرشيف جوزيف كامبل” (Joseph Campbell’s Archive). إن هذا الأرشيف يقدم دليلاً مادياً على الغوص العميق لكامبل في نصوص أساطير الشرق والغرب، مؤكداً رسالته الأساسية: أننا جميعاً نشترك في قصة واحدة عميقة.
يتمحور الإنجاز الأبرز لكامبل حول فكرة “الأسطورة الواحدة” (The Monomyth)، وهي الفكرة التي تؤكد أن جميع الأساطير البطولية تشترك في نمط هيكلي أساسي. لقد قدم كامبل تفسيره لهذا التشابه المذهل في سياق مقاربة متأثرة بعمق بأفكار عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ.
المقاربة اليونغية: واحدية التجربة الإنسانية
استند كامبل إلى نظرية يونغ حول “الأنماط المؤسِّسة” (Archetypes) و”اللاشعور الجمعي”. ومفاد هذا التفسير هو أن واحدية الأسطورة وتشابهها العالمي يمثلان برهاناً على أن التجربة الإنسانية واحدة في جوهرها؛ فالبشر، على اختلاف ثقافاتهم، يواجهون الظواهر المستفزة للوعي البشري (كالموت، الولادة، التضحية، البحث عن المعنى) بـردود أفعال نفسية متشابهة”، وذلك بسبب من تلك الأنماط المؤسِّسة الكامنة في اللاوعي الجمعي للإنسان.
ثغرة التناقل التاريخي: دور “الأسطورة الأم”
على الرغم من القوة الإقناعية والجمالية التي تحملها مقاربة كامبل النفسية، إلا أنها تخطو خطوة في إغفال حقيقة تاريخية وجغرافية لا يمكن إنكارها: ألا وهي ظاهرة التناقل والانتشار الثقافي للأساطير.
إن العديد من الأساطير العالمية، المتشابهة في بنيتها أو مضامينها، لم تنشأ بشكل مستقل نتيجة لـ”وحدة الأنماط المؤسِّسة” وحسب، بل هي في الحقيقة نتاج لعملية هجرة طويلة الأمد. تبدأ القصة غالباً بـ “أسطورة أم” (Matrix Myth) في موطن أصلي، وتمثل هذه الأسطورة نقطة الأصل والمرجع التي تنطلق منها في رحلات ترحالها بين الشعوب.
أثناء هذه الرحلات، تصبح الأسطورة “أسطورة مهاجرة” تعاني من تغييرات جذرية، فتضيف عليها الثقافة الجديدة أو تنقص منها أو حتى تعيد صياغتها لتناسب سياقها المحلي. إن هذا التناقل يفسر التشابه بين أسطورة “الطوفان” في بلاد ما بين النهرين وأساطير الطوفان لدى شعوب أخرى، أو أسطورة “المسخ”، أو قصة “الشجرة التي أكل منها الإنسان الأول”؛ فالأصل في هذه الحالة ليس بالضرورة تماثل الانفعال النفسي المستقل في كل بقعة، بقدر ما هو بصمة الأسطورة الأم المُنقولة والمُعدّلة.
في الختام، يظل جوزيف كامبل، من خلال مشروعه المعرفي، ركيزة أساسية لفهم الإنسانية المشتركة. لكن النقد التاريخي يفرض نفسه ليعيد التوازن؛ فالوحدة الظاهرة في الأساطير العالمية قد تكون نتاجاً لتفاعل مزدوج:
• عامل يونغي داخلي: واحدية ردود الفعل النفسية بسبب الأنماط المؤسِّسة.
• عامل تاريخي خارجي: التناقل والانتشار الجغرافي للأساطير من “مركز أم” إلى أطراف العالم، مع تعديلها الثقافي.
إن الجمع بين هذين التفسيرين هو ما يقدم الصورة الأكثر اكتمالاً وشمولية لظاهرة الأسطورة الإنسانية.

أضف تعليق