
في العقود الأخيرة، ازداد عدد العلماء الذين يحاولون تفسير الظواهر الدينية الخارقة، كما ترد في النصوص المقدسة، تفسيراً علمياً. فالمعجزات التي كانت تُعدُّ في الوعي الديني مظاهرَ لقدرةٍ إلهية خارقة للسنن الطبيعية، صارت تُقرأ عند هؤلاء العلماء بوصفها ظواهر “قابلة للتفسير”، تخضع لقوانين الفيزياء أو الأحياء أو الجيولوجيا، بل إن بعضهم يرى في هذا النهج دليلاً على وحدة الحقيقة بين الدين والعلم.
لكن هذا المسعى الذي يبدو في ظاهره توفيقياً ينطوي في جوهره على مفارقة منهجية عميقة، إذ يؤدي ــ من حيث لا يشعر أصحابه ــ إلى إلغاء خصوصية الظاهرة الدينية، وتحويلها إلى “أسطورة علمية” لا تعبّر عن إيمان بل عن نزعة اختزالية تقيس كلّ شيء بمسطرة التجربة.
إن أول مأخذٍ على هذه المقاربة هو أنها تنزع عن المعجزات معناها الأصلي في المنظور الديني؛ أي كونها “آياتٍ” مقصوداً بها إظهار قدرة الله المطلقة وخرق نظام الطبيعة لحكمة مخصوصة. فحين تُردّ المعجزة إلى “سببٍ طبيعي مجهول”، فإنها تفقد معناها الرمزي واللاهوتي، وتتحول إلى ظاهرة ميتولوجية تُعامل كما تُعامل أسطورة الإغريق عن صعود إيكاروس أو نيران بروميثيوس.
إن هذا التفسير “العلماني للمعجزة” لا يوفّق بين الدين والعلم، بل يقيم بينهما حجاباً جديداً: حجاباً من التعسف التأويلي، الذي يجعل النص الديني تابعاً للمنظور التجريبي لا العكس. وهنا يَغيب الإيمان، ليحلّ محلّه “التصديق العلمي”، فيُلغى البعد الغيبي لصالح العلمية الميكانيكية.
أما المأخذ الثاني فيتعلق بالمغالطة المنهجية التي يرتكبها هؤلاء العلماء، إذ يُدخلون العلم في “أرض محرّمة”، لا عائدية لها لمنطقه ولا أدواته. فالعلم، كما يُعرِّفه فلاسفة المعرفة، لا يشتغل إلا ضمن مجال الظواهر القابلة للرصد والقياس والتكرار، في حين أن المعجزة بحكم تعريفها ظاهرة فريدة غير قابلة للتكرار ولا للقياس، لأنها تقع خارج إطار السببية المألوفة.
وبذلك، فإن محاولة تفسير المعجزة علمياً ليست سوى مغامرة معرفية خاطئة تُلزم العلم بما لا طاقة له به، وتضعه في موضعٍ لا يستطيع أن يثبت فيه ولا أن ينفي، لأن أدواته ليست مصممة للتعامل مع “اللامشروط”. إنها أشبه بمحاولة قياس الموسيقى بمسطرة، أو وزن الضوء بميزان.
إن الخطر الأكبر في هذه المقاربة ليس في نواياها، بل في نتائجها. فهي توهم الناس أن كل ما لا يفسّره العلم اليوم سيُفسَّر غداً، وأن “اللامعقول” ما هو إلا “علم لم يُكتشف بعد”. هذه الفكرة، وإن بدت مطمئنة، تخالف روح المنهج العلمي ذاته، الذي يقوم على مبدأ التواضع المعرفي والاعتراف بالحدود.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: كيف نفسّر المعجزات علمياً؟ بل: هل يحقّ لنا أصلاً أن نحاول؟
إن احترامنا للعلم يقتضي أن نحفظ له حدوده، كما أن احترامنا للدين يقتضي أن نقرّ بأن له منطقه الخاص الذي لا يُختزل في قوانين المادة.
إنّ على العلماء الذين يخوضون في تفسير المعجزات علمياً أن يدركوا أن العلم، في صيغته الحالية، عاجز عن استيعاب ما هو خارج الطبيعة، وأن المعجزة ليست موضوعاً للبحث التجريبي، بل دعوةٌ إلى التواضع أمام ما يتجاوزنا.
فلعلّ يوماً يأتي على العلم وقد ارتقى بوسائله ومناهجه إلى ما يجعله أقدر على إدراك أن “المطلق” ليس قابلاً للإحصاء، وأن بعض الظواهر لا تُفهم إلا بمنطق الإيمان، لا بمنطق التجربة.
