
تستند فلسفة الفيزياء المعاصرة إلى عدد من النصوص الأساسية التي شكّلت حدود مباحثها ومنهجيتها. ولكن عند قراءة هذه الأعمدة من منظور النقد الداعي إلى إدماج الظواهر غير المألوفة (Anomalous Phenomena)، يظهر أن هذه النصوص نفسها تحمل بذور التناقض الذي أدى إلى الإقصاء المنهجي المتعمد لهذه الظواهر.
1. ضد المنهج (Against Method) – بول فييرابند
الملاحظة النقدية: يُعد هذا الكتاب دعوة صارخة لتبني “الفوضوية المعرفية”، حيث يجادل فييرابند بأن الإصرار على منهج علمي واحد وصارم هو عقبة أمام التقدم العلمي.
- نقطة الاستخدام في النقد: يمثل فييرابند الحجة الأقوى ضد الإقصاء. إن رفض فلسفة الفيزياء مناقشة الظواهر غير المألوفة (أو الخارقة) بحجة أنها “تفتقر إلى المنهجية الصارمة” أو “غير قابلة للقياس” هو بالضبط ما ينتقده فييرابند. فـ “المنهج” الصارم لم يكن أبداً هو ما قاد إلى الاكتشافات الكبرى.
- الدعوة لإعادة النظر: يجب على فلسفة الفيزياء أن تتبنى موقف فييرابند وتحرر نفسها من “استبداد المنهج” الذي يمنعها من فحص أي ظاهرة قد لا تتوافق مع الإطار الفيزيائي الحالي، ولكنها قد تحمل مفتاح “إعادة كتابة الفيزياء”.
2. بنية الثورات العلمية (The Structure of Scientific Revolutions) – توماس كون
الملاحظة النقدية: يصف كون كيف يعمل العلم ضمن “بارادايم” (إطار مفاهيمي مقبول عالمياً) خلال فترات “العلم العادي”، وكيف يتم تجاهل أو “لفظ” “الشذوذ” (Anomalies) حتى يتراكم ما يكفي لإحداث “ثورة علمية”.
- نقطة الاستخدام في النقد: يمكن اعتبار إقصاء الظواهر غير المألوفة (مثل بعض الأبحاث في التخاطر أو الظواهر الكهرومغناطيسية الغريبة) دليلاً على عمل فلسفة الفيزياء ضمن إطار “العلم العادي”. إن الـ بارادايم الفيزيائي الحالي (المادي الاختزالي) يرفض الاعتراف بهذه الظواهر كـ “شذوذ” يستحق الدراسة الفلسفية الجادة لأنه يخشى أن يؤدي إلى “ثورة” تقوّض أسسه.
- الدعوة لإعادة النظر: إن وظيفة فلسفة الفيزياء الحقيقية هي تحديد الأزمة، أي تسليط الضوء على هذه “الشذوذات المعرفية” التي لا يمكن للفيزياء الحالية تفسيرها. يجب أن تجعل فلسفة الفيزياء من “الظواهر النافرة” محور بحثها لإحداث “ثورة بارادايمية” في فهمنا للعالم.
3. الفيزياء والفلسفة: الثورة في العلم الحديث (Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science) – فيرنر هايزنبرج
الملاحظة النقدية: كأحد مؤسسي ميكانيكا الكم، يقر هايزنبرج بالطبيعة الميتافيزيقية والأنطولوجية العميقة التي أحدثتها الثورة الكمومية، مؤكداً أن الفيزياء الحديثة اضطرت إلى الانخراط في مسائل فلسفية خالصة (مثل طبيعة الواقع الموضوعي).
- نقطة الاستخدام في النقد: هذا الكتاب يفضح التناقض بشكل مباشر. لقد قبلت فلسفة الفيزياء مناقشة مفاهيم ميتافيزيقية عميقة مثل “مشكلة القياس” و”اللاحتمية” لأنها انبثقت من مختبر الفيزياء الكمومية. ومع ذلك، ترفض مناقشة ظواهر أخرى تنطوي على الميتافيزيقا (مثل تأثيرات العقل على المادة أو الظواهر الخارقة) فقط لأنها لا تتفق مع الإطار التجريبي السائد حالياً.
- الدعوة لإعادة النظر: بما أن الفيزياء، بحسب هايزنبرج، غير قادرة على التخلي عن الميتافيزيقا، يجب أن تكون فلسفتها أكثر شجاعة في فحص جميع الظواهر التي تتحدى المفاهيم الميتافيزيقية السائدة. يجب ألا تفرق بين ميتافيزيقا نابعة من ميكانيكا الكم وميتافيزيقا نابعة من أبحاث الظواهر غير المألوفة؛ فكلاهما قد يضطرنا إلى إعادة تعريف “الواقع الفيزيائي”.
إن الإقصاء المتعمد للظواهر غير المألوفة من مباحث فلسفة الفيزياء يمثل فشلاً في تطبيق الدروس المستفادة من تاريخ العلم ذاته، كما أوضحت المراجعة النقدية لكتب مثل فييرابند وكون وهايزنبرج.
النتيجة المنطقية: إذا كانت فلسفة الفيزياء تسعى حقاً لتكون نقداً للمبادئ المعرفية للفيزياء، لا أداة لتثبيتها، فيجب أن تتجاوز حدود البارادايم واستبداد المنهج، وأن تجعل من دراسة “الشذوذ” والظواهر الخارقة محوراً مركزياً لها.
إن إعادة النظر في هذا الإقصاء ليست مجرد توسيع للمباحث، بل هي ضرورة فلسفية ومنهجية لإعادة بناء هذا الحقل المعرفي ليكون قادراً على مواكبة تحديات العلم في القرن الحادي والعشرين، وربما إجبارنا على إعادة كتابة القوانين الفيزيائية ذاتها.
