مقاربةٌ فلسفيةٌ جديدة لمسألةِ الأخلاق

هل الأخلاقُ فِطريةٌ أم مكتسبة؟ ومن أين جاء الإنسانُ بمنظومتِه الأخلاقية؟ وهل الإنسانُ قادرٌ على أن يتخلَّقَ بخلُقٍ ما طواعيةً من تلقاءِ نفسِه أم أنَّ الأمرَ يقتضي ما يضطره لذلك؟ ولماذا تكاد المعاييرُ الأخلاقية أن تتطابقَ وإن تمايزَ البشرُ في العِرقِ والجنسِ واللغةِ والثقافة؟ ولماذا يصرُّ كثيرٌ من فلاسفةِ الأخلاق على أنَّ الإنسانَ بمقدورِه أن يُنشِئَ نظامَه الأخلاقي بنفسِه؟ وهل من دورٍ لإرادةِ الإنسان في جعلِه ذا خُلُق؟ ولماذا يمجُّ كثيرٌ من الفلاسفةِ فكرةَ الأصلِ الديني للأخلاق؟
أسئلةٌ اختلف الناسُ بشأنِها منذ آلافِ السنين وصولاً إلى زمانِنا هذا؛ فمن بمقدورِه أن يجيبَ عليها بعيداً عن أيِّ انحيازٍ معرفي أو تحيُّزٍ إيديولوجي أو خضوعٍ لمنطقٍ أعوج يحسبُه الجاهلُ حكمةً بالغة؟
بدايةً لابد من الإقرار بأنَّ هذه الأسئلةَ كلَّها جميعاً لن تمكِّنَ متدبِّرَها من الإحاطةِ بأجوبتِها إلا من بعد أن يُقِرَّ بأنَّ عليه أن يختارَ بين مقاربتَين لا ثالثَ لهما؛ فإما أن يكونَ الطريقُ إلى هذه الأجوبة قائماً على الإيمانِ بأنَّ الأخلاقَ أصلُها إلهي، وإما أن يكونَ قائماً على أساسٍ من كونِ الإنسان كائناً أخلاقياً بذاتِه ومن دون حاجةٍ لأي تلقينٍ خارجي يُملي عليه نظامَه الأخلاقي. غير أنَّ المفاضلةَ بين هذين الطريقين المتنافسَين بالإمكانِ تبيانُ أرجحيةِ أولهما على ثانيهما، وذلك عبر تدبُّرِ الظاهرةِ الإنسانية بتفاصيلِها، مُرِّها وحلوِها، قبيحِها وجميلِها. ويُعين المتدبرَ في جهدِه البحثي هذا ما أصبح اليومَ بإمكانِ الباحثِ أن يحيطَ به من فيضٍ غزيرٍ من المعلوماتِ التي تراكمت عبرَ آلافِ السنين، والتي وثَّقت لكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من مفرداتِ هذه الظاهرة التي لا مثيل لها على الإطلاق.
فكيف يُعقَل أن يكونَ الإنسانُ مصدراً لمنظومتِه الأخلاقية، وهو الذي يضطرُّنا التدبُّرُ في ماضيه وحاضرِه إلى مواجهةِ ما ليس بالإمكانِ إحصاؤه من التناقضات التي تُجلِّيها رحلةُ بحثِنا الاستقصائي في ذلك الماضي وهذا الحاضر؟ أم كيف يُعقَل أن يكونَ الإنسانُ صانعَ منظوماتِه الأخلاقية وهو الذي تُرينا أفعالُه، التاريخيةُ والمعاصرة، قدرتَه الفذة على التبريرِ لأخسِّ أعمالِه وأكثرِها دناءة وتدنياً أخلاقياً؟ أفلا نجدُ دوماً من المبرراتِ والمسوِّغات ما يلجأ إليه أعتى الطغاة وأكثرهم إظهاراً للفسادِ في الأرض؟ أوليست هذه المبرراتُ والمسوغات قد انساقت وراءها أممٌ وشعوبٌ وحضاراتٌ أبادت “الآخر المختلف” بهذه الحجةِ أو تلك؟ أوليس العقلُ هو الذي جعل  الإنسانَ يحرقُ جوردانو برونو، ويجبر غاليليو على الامتثالِ للباطل وإنكارِ الحق؟ أفليس بالعقلِ والمنطق والمصلحةِ العليا صدر الحكمُ على جان دارك بأن تُحرَق، كما ستُحرَقُ من بعدها آلافُ النساء في “أوروبا محاكم التفتيش”؟ أفليس المنطقُ العقلي هو الذي بررَ وسوَّغَ لكلِّ تلك المجازرِ التي ولغَ فيها البشرُ في دماءِ بعضِهم البعض على مرِّ التاريخ؟ ألم يكن المستشرقون، وفلاسفةُ التنوير، ودعاةُ الحريةِ والديمقراطيةِ والليبرالية، هم طلائعَ الاستعمارِ الحديث؟ ألم يقف روبرت أوبنهايمر وحيداً مهمشاً متهماً بالخيانةِ العظمى لا لشيءٍ إلا لأنه أدرك فداحةَ ما عملته يداه؟ فكيف يؤتمَن العقلُ البشري، وهو بهذا الخضوع لنفسٍ لا تأمر إلا بالسوء، فنتوهم أنَّ بمقدورِه أن يصبحَ نظاماً أخلاقياً مبرَّءاً من كلِّ انحياز ومعافى من كلِّ تحيز، لا يداخلُه شيءٌ من الغرورِ والتعصبِ والشعورِ بالاستعلاء؟
إنَّ الباحثَ المنصف، المتجردَ عن هذا الهوَسِ البشري بتعظيمِ الذاتِ الإنسانية، لا يملكُ غير أن يقولَ بالأصلِ الإلهي للأخلاق؛ هذا الأصلُ الذي فرضَه الدين على كلِّ مَن أرادَ أن يتخلقَ بأخلاقٍ تسمو به فوق بشريتِه وترقى به صوب ما يجعلُه يتفوقُ على كلِّ ما يشوب إنسانيتَه من ميولٍ ونزعات لا خلاص حقيقياً للإنسان من أزمتِه الوجودية إلا بقهرِه لها. فكل نظامٍ أخلاقي، وإن بدا للناظرِ إليه بشريَّ الصنعة، لابد وأن يكشف عن أصلِه الإلهي إن أنت تتبعتَه مستقصياً رحلتَه التطورية من ذاك الأصل الأول إلى ما انتهى إليه أمرُه.

أضف تعليق