
تُظهر المراجعة التاريخية أنَّ الأمة الأمريكية بَنَت سرديتها القومية على تعظيم مؤسسيها الأوائل إلى حدٍّ جعلهم خارج أفق النقد. هذا التقديس ليس مجرّد تمجيدٍ رمزيٍّ، بل هو آلية دفاعٍ إبستمولوجية حالت دون مساءلة الإرث السياسي المتراكم.
إنَّ من شأن تجاوز هذا التقديس أن يتيح قراءةً موضوعيةً للماضي السياسي الأمريكي، بما في ذلك القرارات الكارثية التي تكررت بتعاقب الإدارات منذ جورج واشنطن حتى اليوم. ويكمن الخطر، كما نبه إليه الفيلسوف جورج سانتيانا بقوله: «الذين لا يتذكرون الماضي محكومٌ عليهم بأن يكرروه»، في أنَّ التاريخ السياسي الأمريكي ظلَّ يدور في حلقةٍ من الأخطاء البنيوية ذاتها: تدخلات خارجية متكررة، حروب غير مبررة، وإنشاء كياناتٍ سياسية أو عسكرية ارتدت لاحقًا ضد صانعها.
إنَّ اعتراف مديرة وكالة المخابرات المركزية لا يمثل مجرد رأيٍ إداريٍّ في سياسةٍ خارجية، بل يمكن قراءته بوصفه تحوّلًا معرفياً داخل الوعي المؤسسي الأمريكي. فحين يصدر الإقرار بالخطأ من “شاهدٍ من أهلها”، فإننا أمام ما يسميه ميشيل فوكو «لحظة الحقيقة في خطاب السلطة».
في هذا الإطار، يصبح التصريح اعترافًا ضمنيًّا بأن الاستراتيجيات التدخلية لم تُنتج أمنًا قوميًا، بل أسهمت في تفكيك بنية الاستقرار العالمي وولّدت جماعاتٍ متطرفة نتيجة الفوضى التي خلّفتها. وهنا تتجلى المفارقة التاريخية: أن القوة التي سعت إلى “هندسة العالم” وقعت ضحيةً لهندسةٍ مضادة أنتجتها أخطاؤها ذاتها.
لا يمكن لأي أمة أن تتعلم من أخطائها ما لم تمتلك الجرأة على الاعتراف بها. من هذا المنظور، فإنَّ تصريح المديرة يمثل خطوةً أولى في طريقٍ طويل نحو ترسيخ ما يمكن تسميته بـ”العدالة التاريخية” — أي تلك التي لا تقتصر على محاسبة الأفراد بل تشمل مراجعة البُنى الفكرية التي وجّهت القرار السياسي لعقود.
تؤكد تجارب الأمم أن ممارسة الاعتراف العلني بالأخطاء التاريخية ليست مجرّد فعلٍ أخلاقي، بل هي آلية لإعادة تأسيس الذات القومية على قاعدةٍ جديدة من الصدق التاريخي. لقد فعلت ألمانيا ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، بينما لا تزال دول أخرى — كفرنسا وبريطانيا — تراوغ في مواجهة إرثها الاستعماري. والسؤال المطروح اليوم: هل تتجه الولايات المتحدة إلى السير في المسار الألماني القائم على التطهير التاريخي، أم تظل أسيرة ما يمكن تسميته بـالإنكار المؤسسي؟
إذا ما تحولت هذه المراجعة إلى تيارٍ فكريٍّ دائم داخل مؤسسات القرار، فإنها ستشكّل تحوّلًا في الباراديغم الأمريكي من منطق “الرسالة” (Mission) إلى منطق “المراجعة” (Reflection). إلا أن الخطر يكمن في أن يظل هذا الاعتراف خطابًا رمزيًا بلا تبعاتٍ عملية. فالتاريخ الأمريكي مليءٌ باعترافاتٍ مؤقتة لم تفضِ إلى أيّ إصلاحٍ مؤسسيٍّ عميق، لأن النظام السياسي الأمريكي محكومٌ بتشابكٍ بنيوي بين رأس المال والمصالح العسكرية والإعلامية.
إنَّ الإقرار بالخطأ — حين يصدر من أعلى الهرم الاستخباراتي — لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا. فهو يمثل لحظةً فاصلة بين مرحلتين: مرحلة الهيمنة الغافلة التي ظنت نفسها وصيةً على العالم، ومرحلة الوعي الذاتي التي قد تتيح للولايات المتحدة أن تعيد تعريف دورها في النظام الدولي.
غير أن السؤال يبقى مفتوحًا: هل سيُكتب لهذا الاعتراف أن يتحول إلى مشروعٍ مؤسسيٍّ للمساءلة التاريخية، أم أنه سيُضاف إلى قائمة الاعترافات الأمريكية التي أُجهضت قبل أن تتحول إلى إصلاح؟
