
منذ بدايات التفكير الإنساني، ظلّت العلاقة بين الأسطورة والدين موضع جدلٍ فلسفي ومعرفي حادّ. فبينما يرى معظم علماء الميثولوجيا وعلم الاجتماع الديني أن الأسطورة هي الأصل المعرفي للدين، وأن الأديان ما هي إلا تطور سردي للحكايات الأسطورية القديمة، تدعو هذه المقالة إلى مقاربة جديدة تعكس اتجاه المسار التطوري للعلاقة، فترى أن الأسطورة هي الناتج العرضي لمسيرة الدين في التاريخ، وليست الأصل الذي انبثق منه الدين.
تقوم المقاربة المقترحة على فرضية أساسية مفادها أن الأسطورة تولدت عن الدين كنتيجة لتعدد أنماط التديّن الإنساني، وتباين صور فهم الإنسان للدين الإلهي عبر الزمن والثقافات. فحين تتنوع طرائق التديّن وتتباين القراءات البشرية للوحي، تظهر مفردات وعناصر رمزية ليست من صميم الدين، لكنها تنشأ على هامش التجربة الدينية. ومع مرور الوقت، تنفصل هذه المفردات عن أصلها الديني لتشكّل نواة لأساطير جديدة تُعاد صياغتها ضمن تصوّر بشري محض.
بهذا المعنى، لا تمثل الأسطورة أصل الدين، بل انحرافًا سرديًّا عن التجربة الدينية الأولى، أو كما يمكن القول: هي “الظلّ البشري” الذي أفرزته التجربة الدينية عندما فقدت نقاءها الأولي، لا مصدر النور نفسه.
ينبغي النظر إلى الأسطورة بوصفها منتجًا ثقافيًا لاحقًا لتجربة الإيمان، فهي تولد عندما يحاول الإنسان أن يؤنسن المقدّس، أي أن يقدمه بصور تتلاءم مع إدراكه الحسي ومخياله الرمزي. وهكذا تتحول التجربة الإلهية إلى سردٍ بشري، وتتحول الرموز الإيمانية إلى شخصيات وأحداث وأماكن، فينشأ من هذا التحويل عالم الأسطورة.
لكن هذه العملية لا تعني أن الأسطورة أصل الدين، بل إنها أحد مخرجات التدين الإنساني حين يتجاوز حدوده الإلهية ويتكئ على خياله لتفسير الغيب بما يتوافق مع بنيته النفسية والثقافية.
إن الفرضية القائلة إن الأساطير السابقة في وادي الرافدين أو مصر أو الإغريق كانت أصل القصص الدينية، تفترض ضمنًا نفي الحقيقة الدينية، واعتبار أن الإنسان هو وحده منشئ الدين. ولكن هذا التصور يصطدم بإشكالية منطقية جوهرية: إذ كيف يمكن للخيال البشري أن ينتج قصة واحدة متطابقة في معناها وجوهرها عبر ثقافات متباعدة جغرافيًا وزمنيًا؟
إن تكرار موضوعات كـ”الطوفان” أو “الخليقة” أو “البعث” في مختلف النصوص لا يدل على وحدة الأصل الأسطوري، بل على وحدة المصدر الإلهي الذي تحدّث عن هذه الوقائع في أزمنة مختلفة ولغات مختلفة، فاختلطت في أذهان الناس بعد حين بتمثلاتهم البشرية، فصارت أساطير.
يُعدّ مثال الطوفان من أبرز النماذج التي استُدل بها على أسبقية الأسطورة على الدين. فقد زعم كثير من علماء الميثولوجيا أن قصة الطوفان في التوراة مأخوذة عن روايات وادي الرافدين (كملحمة جلجامش). لكن هذه المقاربة تغفل عن أن الفاعل في القصتين واحد: الله هو الذي تسبب في الطوفان، وهو الذي رواه في التوراة، ثم أعاد ذكره في القرآن الكريم.
فالمصدر ليس الأسطورة الرافدية، بل الحدث الإلهي نفسه الذي تناقلته الرسالات وفق مراحل زمنية متعاقبة. والأسطورة لم تكن سوى تشوه لاحق أصاب الذاكرة البشرية للحدث عندما انفصل الإنسان عن الوحي.
إن المقاربة السائدة التي تجعل من الأسطورة أصلًا للدين تقوم على فرضية مضمَرة هي أن الدين نتاجٌ بشريّ. أما المقاربة الجديدة فتقلب هذه الفرضية رأسًا على عقب: فالدين، في أصله، هو الوحي الإلهي؛ والأسطورة ليست إلا أثرًا جانبيًا ناتجًا عن عملية التلقي البشري لهذا الوحي، حين يتحول المقدّس إلى رمزيّ، والرمزيّ إلى خياليّ.
بهذا الانقلاب الإبستمولوجي ننتقل من رؤية تعتبر الدين “أسطورة محدثة”، إلى رؤية ترى في الأسطورة “تديّنًا مشوَّهًا”، ومن اعتبار الأسطورة أصلًا للوحي إلى اعتبارها انحرافًا معرفيًا عن الأصل الإلهي للوحي.
ليست الأسطورة نقيض الدين، بل هي ظلّه التاريخي في الوعي البشري. فحيثما تبتعد التجربة الإنسانية عن نقاء الوحي، تولد الأسطورة، وحيثما يتجدد الوحي في الوعي الإنساني، تتبدد الأسطورة. ومن هنا فإن فهم العلاقة بين الدين والأسطورة لا يكون في تتبّع الأسبقيات الزمنية، بل في تحليل آليات التحول من الإلهي إلى البشري، ومن الوحي إلى الخيال.
إنها دعوة لإعادة رسم المسار من جديد: من الدين إلى الأسطورة، لا العكس.
