
طيُعدّ جوزيف كامبل (1904 – 1987) أحد أبرز علماء الميثولوجيا المقارنة في القرن العشرين. فخلال ما يقرب من خمسة عقود من البحث الدؤوب، استطاع أن يشيّد صرحًا معرفيًا فريدًا في دراسة الأساطير، جمع فيه بين العمق الفلسفي والثراء الثقافي والامتداد الجغرافي الذي لم يقتصر على الغرب، بل شمل تراث شعوب الأرض قاطبة.
لقد اتسم جهد كامبل بسعة اطلاع مذهلة، إذ لم يترك موروثًا أسطوريًا إلا ودرسه، من الملاحم السومرية والملحمات الهندية إلى الميثولوجيا الإسكندنافية واليونانية، مرورًا بحكايات الشعوب الأصلية للأمريكيتين وإفريقيا وآسيا. وقد تجسّد هذا الجهد في مكتبته الشخصية الهائلة التي أهداها إلى جامعة باسيفيكا في كاليفورنيا، والتي أُطلق عليها اسم Joseph Campbell’s Archive، وهي اليوم مرجع لا غنى عنه لكل باحث في تاريخ الأسطورة المقارنة وتحوّلاتها.
إن أعمال كامبل الكبرى، وعلى رأسها كتابه “The Hero with a Thousand Faces”، أعادت تعريف وظيفة الأسطورة في حياة الإنسان المعاصر، مؤكدة أن الأسطورة ليست خرافة من الماضي، بل خريطةٌ رمزية للوعي الإنساني في رحلته الأبدية نحو المعنى والاكتمال.
يرى كامبل، متأثرًا بعالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ، أن الأساطير على اختلاف أزمنتها وثقافاتها ليست إلا وجوهًا متعددة لأسطورةٍ واحدة كونية، تعود جذورها إلى البنية العميقة للنفس الإنسانية. فالتشابه بين أساطير الشعوب – في نظره – ليس نتاج تواصلٍ تاريخي أو تبادلٍ ثقافي، بل انعكاسٌ لوحدة التجربة البشرية في مواجهة “الظواهر المستفزة للوعي”، وما تفرزه من أنماط مؤسِسة (Archetypes) راسخة في اللاوعي الجمعي.
غير أن هذه المقاربة، على عمقها النفسي، تغفل بُعدًا تاريخيًا حاسمًا: فالتشابه بين الأساطير لا يمكن تفسيره حصرًا بوحدة التجربة الإنسانية، بل ينبغي رده أيضًا إلى عملية النقل الثقافي والتوارث الميثولوجي بين الشعوب. فالتاريخ يقدّم شواهد كثيرة على أن الأسطورة – كالكلمة والرمز – كائنٌ مهاجر، يعبر الحدود الجغرافية والزمنية حاملاً جوهره الأصلي، لكنه يتبدل شكلاً ومضمونًا بحسب البيئة الجديدة التي تستقبله.
ومن هنا يمكن القول إن وراء كل أسطورة كونية ما يمكن تسميته بـ “الأسطورة الأم” (Mythic Matrix)، وهي النواة البدئية التي صدرت عنها سائر الأساطير المتفرعة. فأسطورة الطوفان، على سبيل المثال، ليست دليلًا على أن جميع البشر يملكون لاوعيًا مشتركًا، بقدر ما هي شاهد على أن سرديةً واحدة عن الطهارة والتجديد قد هاجرت من موطنها الأول – ربما الرافدين أو ما بين النهرين – لتُعاد صياغتها بلغاتٍ ورموزٍ مختلفة في ثقافاتٍ شتى.
وكذلك أسطورة الأكل من الشجرة، أو أسطورة المسخ والتحوّل، كلّها نماذج لرحلة النص الأسطوري في الزمان والمكان، رحلةٍ يرافقها التغيير والإضافة والنقصان دون أن تمسّ بجوهرها الأمومي.
إن عبقرية جوزيف كامبل لا تكمن فقط في محاولته استعادة المعنى المفقود للأسطورة، بل في جعله من الميثولوجيا علمًا إنسانيًا شاملًا، يعيد الإنسان إلى مركز الكون الرمزي. ومع ذلك، فإن تفسيره الأحادي للأسطورة الكونية يبقى محتاجًا إلى مراجعةٍ منهجية تُعيد التوازن بين العامل النفسي والعامل التاريخي.
فالأسطورة ليست فقط نتاج النفس، بل أيضًا نتاج الذاكرة الجمعية المتناقلة، تلك الذاكرة التي تحمل بصمات الحضارات الأولى، وتُعيد صياغة حكاياتها الكبرى بما يلائم الأزمنة اللاحقة. وبذلك، فإن الأسطورة الواحدة التي حلم بها كامبل، ليست بالضرورة أسطورةً منبعثة من اللاوعي الجمعي فحسب، بل هي، في جوهرها، أسطورة أمّ، ولود، تتناسل منها سائر الأساطير كما تتناسل المعاني من المعنى الأول.
