
يُعدّ السؤال عن منشأ الأخلاق أحد أقدم الأسئلة الفلسفية التي واجهها الفكر الإنساني. فمنذ سقراط وأفلاطون وصولًا إلى نيتشه ودوركايم وروسو وكانط، ظلّ السؤال قائمًا:
هل الأخلاق فطريةٌ في الإنسان، أم مكتسبةٌ من الخارج؟ وهل يستطيع الإنسان أن يُنشئَ منظومةً أخلاقيةً ذاتيةً بمعزلٍ عن أيّ سلطةٍ عليا، أم أنّ عليه أن يستمدَّ معيارَه من مصدرٍ متجاوزٍ لطبيعته البشرية؟
هذه الأسئلة لم تكن محضَ جدلٍ فلسفيٍّ تجريدي، بل تمسّ صميم الوعي الإنساني بوصفه كائنًا مزدوج الطبيعة: عقليًّا وغرائزيًّا، فرديًّا واجتماعيًّا، دنيويًّا ومتعاليًا في آنٍ واحد.
يمكن حصرُ الاتجاهات الكبرى في الفكر الأخلاقي في مقاربتين أساسيتين:
• المقاربة الإلهية (Theistic Ethics):
ترى أنّ الأخلاق تستمدّ مشروعيتها من مصدرٍ متعالٍ إلهيٍّ، وأنّ القيم الأخلاقية لا تستقيم إلا بوجود مرجعٍ فوق إنسانيٍّ يحدّد الخير والشر. هذا الاتجاه يجد جذوره في التراث الديني والفلسفة اللاهوتية (مثل أوغسطين وتوما الأكويني)، ويمتدّ إلى مقارباتٍ حديثةٍ تؤكّد أنّ الأخلاق دون الله مجرّد نسبيةٍ معياريةٍ لا تضمن التماسك القيمي.
• المقاربة الإنسانية أو الطبيعية (Humanistic / Naturalistic Ethics):
تنطلق من فرضية أنّ الإنسان قادرٌ بذاته، من خلال العقل والتجربة والوجدان، على تأسيس نظامٍ أخلاقيٍّ متكامل. وقد بلور هذا الاتجاه فلاسفةُ مثل كانط في مفهوم “الواجب الأخلاقي” المستقلّ عن الوحي، وروسو في “الفطرة الخيّرة”، ودوركايم في “الضمير الجمعي”، وسبنسر وداروين في التفسير التطوري للأخلاق.
على الرغم من التطوّر الهائل في الفكر الإنساني الحديث، فإنّ التجربة التاريخية تُظهر أنّ العقل البشري، حين يُطلَق من عقال الضوابط المتعالية، يتحوّل إلى أداةٍ تبريريةٍ لشرورٍ لا حصر لها.
فالحروبُ، والاستعمارُ، ومحاكمُ التفتيش، والتجاربُ النووية، والأنظمةُ الشمولية، جميعُها نشأت من منظوماتٍ عقليةٍ زعمت لنفسها امتلاكَ المعيار الأخلاقي، لكنها انتهت إلى تبرير العنف بوصفه ضرورةً حضارية أو سياسية أو علمية.
إنّ هذه المفارقة تكشف أنّ العقل، بوصفه أداةَ تبريرٍ لا تشريع، عاجزٌ عن أن يُنتجَ معيارًا أخلاقيًّا مطلقًا من ذاته. فهو يَميل إلى خدمة المصلحة أكثرَ مما يلتزم بمبدأ الخير. ولهذا فإنّ المنظومة الأخلاقية الخالصة التي يُفترض أن يبتكرها الإنسان، سرعان ما تنقلب إلى نسقٍ نَسبيٍّ يخضعُ لقوةٍ أو إيديولوجيا أو مصلحة.
إنّ القول بالأصل الإلهي للأخلاق لا يعني بالضرورة نفيَ دورِ الإنسان في التخلّق بها، بل يؤكّد أنّ هذه الأخلاق تستمدّ معناها من مرجعٍ كونيٍّ ثابتٍ يتجاوزُ التقلبات البشرية.
فالدين، في جوهره، ليس مجرّد منظومة أوامر ونواهٍ، بل خطابٌ ميتافيزيقيٌّ يعيد وصل الإنسان بالمطلق، ويؤسّس لمعيارٍ لا يُختزل في المنفعة ولا في العُرف.
وما يُسمّيه بعض الفلاسفة “الضمير الإنساني” يمكن النظر إليه، في ضوء هذه المقاربة، بوصفه صدىً لذلك الأصل الإلهي في البنية النفسية للإنسان، أي تجلّيًا باطنيًا لما هو متعالٍ خارجيًا.
إنّ تجاوز الثنائية التقليدية (الإلهي/الإنساني) يقتضي إعادة صياغة السؤال نفسه ضمن أفقٍ معرفيٍّ تكامليٍّ. فالأخلاق ليست نتاجًا وحيد المصدر، بل حصيلةُ تفاعلٍ بين الوحي والعقل، بين التعالي والاختبار الإنساني، بين الميتافيزيقي والاجتماعي.
والتحدي الفلسفي اليوم هو كيف نعيد وصل الأخلاق بالمتجاوز، دون أن نُلغي استقلالَ الإنسان في ممارسة الوعي والمسؤولية.
يُستدلّ من مجمل المسار التاريخي والمعرفي للأخلاق أنّ الإنسان لم يكن يومًا مكتفيًا بذاته في إنتاج القيم، وأنّ المحاولات التي سعت إلى إقصاء المرجع الإلهي انتهت إلى نسبيةٍ قِيَميّةٍ تُفقدُ الأخلاق معناها المعياري.
وعليه، فإنّ الأصل الإلهي للأخلاق لا يُقصي الإنسان، بل يمنحه مرتكزًا موضوعيًا يقيه من استبداد ذاته ومن زيف العقل حين ينفصل عن الروح.
فلا خلاص أخلاقيًا للبشرية إلا بإعادة وصل ما انقطع بين “المقدّس” و”الإنساني”، بين “العقل” و”الوحي”، وبين “القيمة” و”المصدر الذي يمنحها معناها”.
