أدلجةُ العِلم… دعوةٌ لإقصاءِ العِلم عن الإيديولوجيا

لماذا نعجزُ عن تقبُّلِ العِلم نقياً صافياً خالصاً من كلِّ ما يشوبُه من أخلاطِ التنميطِ الإيديولوجي؟ فنحن نحسب أنَّ حقائقَ العِلم لا تملك وحدَها القدرةَ على جعلِنا نؤمن بها إلا من بعد أن نسوقَها في سياقٍ إيديولوجي هو بحكمِ التعريف حمالُ أوجه. وهذا الذي أصبح عليه العِلمُ من عجزٍ عن التمكُّن من جعلِنا نُعيد تشكيلَ منظومتِنا المعرفية وفقاً لما يقدِّمه لنا من حقائق هو ليس من أركانِ العِلم في شيء. فنحن مَن أسبغنا على العِلم شيئاً من شوائبِ بشريتِنا حتى توهمنا أنَّه لا قيامَ له من دون هذه الإضافات.
ولقد جعلنا ما قمنا بإسباغِه على بنيانِ العِلم من شوائبِ بشريتِنا نقع في فوضى إيديولوجية مبعثُها هذا العجزُ الكامن في صُلبِ بُنيتِنا التكوينية عن التوافقِ بشأنِ المقاربةِ الأمثل للوجود وللعِلم بهذا الوجود. خذ، على سبيل المثال، فيزياءَ الكم قبل أن يفرضَ الغربُ سطوتَه المعرفية بُعيد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالفيزيائيون السوفييت كانوا يقاربون حقائقَ فيزياء الكم مقاربةً قامت النظريةُ المادية الديالكتيكية بصياغةِ محدِّداتِها، وذلك بالمقارنة مع المقاربةِ الغربية لهذه الفيزياء. فكلتا المقاربتَين تختلف واحدتهما عن الأخرى اختلافاً جوهرياً تتمخَّضُ عنه رؤيتان للوجود تتباين إحداهما عن الأخرى تبايناً لا سبيل لجسرِ هوَّتِه.
ولنا في التباين الكبير بين مقاربةِ ما يسمى بـ “الإعجاز العِلمي للقرآن” لقوانينِ الفيزياء المعاصرة، وبين مقاربةِ فلسفةِ الفيزياء كما يؤمن بها السوادُ الأعظم من علماءِ الفيزياء، مثالٌ آخر يذكرنا بوجوبِ العمل على إقصاءِ العِلم بعيداً عن أي مقاربةٍ إيديولوجية تنزع عنه موضوعيتَه وتضفي عليه ما لا يمكن، بحكم التعريف، أن يكونَ جزءاً أصيلاً منه.
فمتى نكفُّ عن خلطِ الأوراق ونشرع بتقبُّلِ العِلم مبرءاً من كلِّ ما من شأنِه أن يجعلَنا مختلفين بشأنِه؟!

أضف تعليق