
منذ أن استقرَّ في أذهان فقهاء اللغة المُحْدَثين أنَّ ما يُسمّى بـ العائلة الهندو-أوروبية هي السلسلة الأولى في النسب اللغوي للبشر الغربيين، انغلق البحث التأثيلي داخل حدودٍ ضيقةٍ لا ترى في العالم القديم إلا جذرًا واحدًا. فصار الأصلُ الهندو-أوروبي هو الحقيقةَ التي لا تُسائل، والآخرُ السامي هو الغريبَ الطارئ، كأنّ اللغة وُلدت في جهةٍ واحدةٍ من الأرض.
إلا أنَّ تدبُّرًا تأثيليًّا دقيقًا لعددٍ من المفردات الأوروبية يكشف عن خطأٍ بنيويٍّ في هذا التصوّر، ويُظهر أنَّ ما يُسمّى بالهندوأوروبية ما هو إلا أحدُ الفروعِ التي تفرّعت عن جذعٍ أقدم، تلتقي عنده اللغة العربيةُ واللغات الأوروبية في ذاكرةٍ لغويةٍ واحدة.
الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Claim
الكلمة الإنجليزية Claim لا تنتمي إلى فضاء الصراخ كما يزعم تأثيلها اللاتيني (clamare)، بل إلى فعلِ الكلام نفسه. فهي من الجذر العربي كَلِم، حيث القول والنطق والإعلان.
فالذي “يُطالب بحقه” هو الذي “يتكلم” به، ومن هنا تماهت “المطالبة” مع “الكلام” في أصلها الصوتي والمعنوي. إن كل “claim” في جوهرها “كَلِم” خرج من الفم البشري الأول ليُعلن ذاته في الوجود.
الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Assume
الكلمة الإنجليزية Assume ليست “أخذًا” كما يدّعي تأثيلها اللاتيني (assumere)، بل زعْمًا كما قالت العربية قبل آلاف السنين.
فـ”الزعم” هو أن تتبنّى فكرةً فتقولها وكأنها يقين، وهو بالضبط ما تعنيه assume في الإنجليزية: “أن تفترض”، “أن تعتبر”، “أن تتبنّى رأيًا”.
لكنَّ الأعجب أنَّ الكلمة ذاتها تحمل معنى آخر: “أن يتزعم” أو “أن يتولى القيادة”. وهنا تتجلّى المعجزة التأثيلية: فالجذر العربي زَعَمَ هو أصلُ كلمة زَعِيم، أي المتقدّم والمترأس، تمامًا كما تعني assume leadership.
لقد خفّفَت اللغاتُ أعينَها عن “العين” العربية، فذابت الصفة الحلقية في نُطقٍ أوروبيٍّ ملساء، فخرجت منها assume بعد أن كانت “زَعَم”.
الجذر العربي للكلمة الألمانية Spielen
في الألمانية Spielen وفي الإنجليزية Play نسمع أصداء الجذر العربي لَعِب، الذي يدلّ على الحرية الحركية، على الفعل الذي لا غايةَ له إلا ذاته.
لقد خُفّف حرفُ العين، ثم قُلب المقطع، فصارت لعب → play، ومع إضافة حرفٍ صوتيٍّ مبدئي (S) في التحول اللهجي الجرماني نشأت Spielen.
إن اللعب في اللغات جميعًا هو الوجه الآخر للخلق، فهو الفعل الحر الذي يشبه الخلق في انفتاحه، تمامًا كما كان اللعب في اللغة الأولى فعلاً من أفعال الوعي لا التسلية.
الجذر العربي للكلمة الفرنسية Faire
في قلب الكلمة الفرنسية Faire تختبئ الكلمة العربية “فعل”، لا على سبيل التشابه العارض، بل على نحو التطابق البنيوي.
فقد خُفِّفت العين، وتحولت اللام إلى راء — كما تفعل الفرنسية في كثير من ألفاظها — وبقي المعنى واحدًا: الفعل والإنجاز والعمل.
كل ما “fait” في اللسان الفرنسي إنما هو “فَعَلَ” في لسانٍ أقدم، ظلّ صوته يصدح في ذاكرة الوجود اللغوي للإنسان.
تبيّن هذه المقارنات أن التماثلات بين اللغات الأوروبية والعربية ليست اقتراضًا متأخرًا، ولا مصادفة صوتية، بل إشاراتٌ إلى ذاكرة لغوية مشتركة سبقَت انفصال العائلات اللغوية الكبرى.
إنّ التمسّكَ بـ “أحادية الجذر الهندو-أوروبي” لا يخدم إلا السرديةَ التي أرادت أن تجعل اللغة ابنة الغرب، وتُنكر على الشرق أن يكون أصلًا معرفيًا.
إنّنا اليوم بحاجةٍ إلى مقاربةٍ تكاملية تتجاوز حدودَ الجغرافيا والأنساب اللغوية المصطنعة، مقاربةٍ تنظر إلى اللغات لا كفروعٍ متباعدة، بل كجداولَ متعدّدةٍ تصبُّ في بحرٍ واحدٍ من الوعي البشري الأول.
المقاربة التكاملية في التأثيل لا ترفض الهندوأوروبية، بل تضعها في سياقها الطبيعي ضمن منظومةٍ أوسع تُعيد وصلها بالجذر العربي الأعمق.
فكل لغةٍ تحمل في باطنها شظايا من لغةٍ أولى، هي اللغة التي تكلّم بها الإنسان حين بدأ يعي ذاته وينطق بها.
والبحث عن هذه اللغة ليس رجوعًا إلى الماضي، بل عودةٌ إلى الحقيقة الأولى التي غابت تحت ركام التصنيفات الأكاديمية.
حين نقول إنَّ Claim من كَلِم، وAssume من زَعَم، وSpielen من لَعِب، وFaire من فَعَل، فإننا لا نؤسس مجرّد فرضية لغوية، بل نعيد وصل الإنسان بذاكرته المفقودة.
فاللغة ليست أصواتًا متفرقة، بل هي سيرةُ الوعي الإنساني وهو يحاول أن يُسمّي العالم، وأن يعبّر عن وجوده فيه.
ولذلك، فإنّ المقاربة التكاملية ليست مشروعًا لغويًا فحسب، بل مشروع استعادةٍ للإنسان في كلّيته — الإنسان الذي توزّعت لغاته، لكنّ صوته ظلّ واحدًا، يقول في كل لسان:
إنّ الكلمة الأولى لم تكن ملكَ قارةٍ أو عرقٍ، بل كانت نَفَسَ الوعي البشريّ حين تكلّم لأول مرّة.
منذ أن استقرَّ في أذهان فقهاء اللغة المُحْدَثين أنَّ ما يُسمّى بـ العائلة الهندو-أوروبية هي السلسلة الأولى في النسب اللغوي للبشر الغربيين، انغلق البحث التأثيلي داخل حدودٍ ضيقةٍ لا ترى في العالم القديم إلا جذرًا واحدًا. فصار الأصلُ الهندو-أوروبي هو الحقيقةَ التي لا تُسائل، والآخرُ السامي هو الغريبَ الطارئ، كأنّ اللغة وُلدت في جهةٍ واحدةٍ من الأرض.
إلا أنَّ تدبُّرًا تأثيليًّا دقيقًا لعددٍ من المفردات الأوروبية يكشف عن خطأٍ بنيويٍّ في هذا التصوّر، ويُظهر أنَّ ما يُسمّى بالهندوأوروبية ما هو إلا أحدُ الفروعِ التي تفرّعت عن جذعٍ أقدم، تلتقي عنده اللغة العربيةُ واللغات الأوروبية في ذاكرةٍ لغويةٍ واحدة.
الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Claim
الكلمة الإنجليزية Claim لا تنتمي إلى فضاء الصراخ كما يزعم تأثيلها اللاتيني (clamare)، بل إلى فعلِ الكلام نفسه. فهي من الجذر العربي كَلِم، حيث القول والنطق والإعلان.
فالذي “يُطالب بحقه” هو الذي “يتكلم” به، ومن هنا تماهت “المطالبة” مع “الكلام” في أصلها الصوتي والمعنوي. إن كل “claim” في جوهرها “كَلِم” خرج من الفم البشري الأول ليُعلن ذاته في الوجود.
الجذر العربي للكلمة الإنكليزية Assume
الكلمة الإنجليزية Assume ليست “أخذًا” كما يدّعي تأثيلها اللاتيني (assumere)، بل زعْمًا كما قالت العربية قبل آلاف السنين.
فـ”الزعم” هو أن تتبنّى فكرةً فتقولها وكأنها يقين، وهو بالضبط ما تعنيه assume في الإنجليزية: “أن تفترض”، “أن تعتبر”، “أن تتبنّى رأيًا”.
لكنَّ الأعجب أنَّ الكلمة ذاتها تحمل معنى آخر: “أن يتزعم” أو “أن يتولى القيادة”. وهنا تتجلّى المعجزة التأثيلية: فالجذر العربي زَعَمَ هو أصلُ كلمة زَعِيم، أي المتقدّم والمترأس، تمامًا كما تعني assume leadership.
لقد خفّفَت اللغاتُ أعينَها عن “العين” العربية، فذابت الصفة الحلقية في نُطقٍ أوروبيٍّ ملساء، فخرجت منها assume بعد أن كانت “زَعَم”.
الجذر العربي للكلمة الألمانية Spielen
في الألمانية Spielen وفي الإنجليزية Play نسمع أصداء الجذر العربي لَعِب، الذي يدلّ على الحرية الحركية، على الفعل الذي لا غايةَ له إلا ذاته.
لقد خُفّف حرفُ العين، ثم قُلب المقطع، فصارت لعب → play، ومع إضافة حرفٍ صوتيٍّ مبدئي (S) في التحول اللهجي الجرماني نشأت Spielen.
إن اللعب في اللغات جميعًا هو الوجه الآخر للخلق، فهو الفعل الحر الذي يشبه الخلق في انفتاحه، تمامًا كما كان اللعب في اللغة الأولى فعلاً من أفعال الوعي لا التسلية.
الجذر العربي للكلمة الفرنسية Faire
في قلب الكلمة الفرنسية Faire تختبئ الكلمة العربية “فعل”، لا على سبيل التشابه العارض، بل على نحو التطابق البنيوي.
فقد خُفِّفت العين، وتحولت اللام إلى راء — كما تفعل الفرنسية في كثير من ألفاظها — وبقي المعنى واحدًا: الفعل والإنجاز والعمل.
كل ما “fait” في اللسان الفرنسي إنما هو “فَعَلَ” في لسانٍ أقدم، ظلّ صوته يصدح في ذاكرة الوجود اللغوي للإنسان.
تبيّن هذه المقارنات أن التماثلات بين اللغات الأوروبية والعربية ليست اقتراضًا متأخرًا، ولا مصادفة صوتية، بل إشاراتٌ إلى ذاكرة لغوية مشتركة سبقَت انفصال العائلات اللغوية الكبرى.
إنّ التمسّكَ بـ “أحادية الجذر الهندو-أوروبي” لا يخدم إلا السرديةَ التي أرادت أن تجعل اللغة ابنة الغرب، وتُنكر على الشرق أن يكون أصلًا معرفيًا.
إنّنا اليوم بحاجةٍ إلى مقاربةٍ تكاملية تتجاوز حدودَ الجغرافيا والأنساب اللغوية المصطنعة، مقاربةٍ تنظر إلى اللغات لا كفروعٍ متباعدة، بل كجداولَ متعدّدةٍ تصبُّ في بحرٍ واحدٍ من الوعي البشري الأول.
المقاربة التكاملية في التأثيل لا ترفض الهندوأوروبية، بل تضعها في سياقها الطبيعي ضمن منظومةٍ أوسع تُعيد وصلها بالجذر العربي الأعمق.
فكل لغةٍ تحمل في باطنها شظايا من لغةٍ أولى، هي اللغة التي تكلّم بها الإنسان حين بدأ يعي ذاته وينطق بها.
والبحث عن هذه اللغة ليس رجوعًا إلى الماضي، بل عودةٌ إلى الحقيقة الأولى التي غابت تحت ركام التصنيفات الأكاديمية.
حين نقول إنَّ Claim من كَلِم، وAssume من زَعَم، وSpielen من لَعِب، وFaire من فَعَل، فإننا لا نؤسس مجرّد فرضية لغوية، بل نعيد وصل الإنسان بذاكرته المفقودة.
فاللغة ليست أصواتًا متفرقة، بل هي سيرةُ الوعي الإنساني وهو يحاول أن يُسمّي العالم، وأن يعبّر عن وجوده فيه.
ولذلك، فإنّ المقاربة التكاملية ليست مشروعًا لغويًا فحسب، بل مشروع استعادةٍ للإنسان في كلّيته — الإنسان الذي توزّعت لغاته، لكنّ صوته ظلّ واحدًا، يقول في كل لسان:
إنّ الكلمة الأولى لم تكن ملكَ قارةٍ أو عرقٍ، بل كانت نَفَسَ الوعي البشريّ حين تكلّم لأول مرّة.
