نحو مقاربة تكاملية في التأثيل اللغوي

منذ أن ترسّخ في الدراسات اللسانية الحديثة الاعتقاد بوحدانية الجذر الهندو-أوروبي كمصدرٍ لغوي أولٍ للعائلة الأوروبية، غاب عن الوعي اللغوي التاريخي إمكانُ وجود تداخلات أعمق تربط بين اللغات الأوروبية واللغة العربية القديمة. فالفصل الصارم بين هذين النسقين لم يقم على برهان علمي كافٍ، بقدر ما كان ثمرةَ تصوّرٍ حضاري يضع الشرق في موضع “الآخر اللغوي” الغريب عن الذات الأوروبية. غير أنّ دراسةً تأثيلية دقيقة لجملةٍ من المفردات الإنجليزية والألمانية والفرنسية تكشف عن قرابةٍ صوتيةٍ ودلاليةٍ وثيقةٍ تربطها بجذورٍ عربيةٍ عريقة، على نحوٍ يصعب تفسيره بمحض المصادفة الصوتية أو بالاقتراض المتأخر.
1. Claim ← كَلِم
الكلمة الإنجليزية Claim المشتقة من اللاتينية clamare (يصرخ، ينادي، يطالب) لا تنفكّ عن الجذر العربي كَلِم الذي يدلّ على النطق والقول والإعلان. فالمعنى الأصلي لـ clamare هو “النداء المرتفع”، أي التلفّظ بما يُسمع، وهو في جوهره فعل الكلام. وقد احتفظت الكلمة في تطورها بمعنى “المناداة بالحق” أو “المطالبة”، تمامًا كما نقول في العربية “تكلّم بحقه” أو “نطق بطلبه”. إن التماثل الصوتي بين claim و”كَلِم” لا يمكن تجاهله، خصوصًا إذا علمنا أنّ الكاف والـ /c/ في اللغات الأوروبية كثيرًا ما كانت تمثّل القاف أو الكاف العربية، وأن الإمالة الصوتية نحو الـ /ai/ تماثل حركة الكسر في “كِلِم”.
2. Assume ← زَعَم
أما الكلمة الإنجليزية Assume، المأخوذة من اللاتينية assumere (يأخذ على نفسه، يفترض)، فإنها تُظهر في تحولها الصوتي والاشتقاقي صلةً وثيقةً بالجذر العربي زَعَم. فالتحول من الزاي إلى الـ /s/ ومن العين إلى الصامت الحلقي المخفَّف /u/ ليس غريبًا في التطور اللساني، وقد نتج عنه الشكل الحالي assume. والعلاقة الدلالية بين الكلمتين أوضح من أن تُغفل:
فـ “زَعَمَ” في العربية تعني افترض أو قال على وجه الترجيح، وهي ذات المعاني التي تحتفظ بها assume في الإنكليزية بمعنى “يفترض” أو “يتبنى فكرة كأنها صحيحة”.
ثم إنّ معنى assume الآخر، أي “تزعم وترأس وتسنّ القيادة”، يعيدنا إلى المعنى الجوهري لـ”زَعِيم” في العربية، أي من يتزعم ويتقدّم القوم، وهو ما يجعل الجذر المشترك أكثر اتساقًا دلاليًا من الأصل اللاتيني المقترح.
3. Spiel ← لعب
الكلمة الألمانية Spiel تقابل الإنجليزية Play، وكلاهما من جذرٍ واحدٍ خضع لتحولات صوتية داخل اللهجات الجرمانية القديمة. فإضافة حرف الـ S في الألمانية ظاهرة شائعة في الانتقال اللهجي (play → spiel).
ومن منظور الجذر اللغوي البديل، فإن الأصل هو العربي لَعِبَ، حيث خُفّف حرف العين وقُلب ترتيب المقطعين، فصارت play، ومنها spiel.
المعنى في اللغات الثلاث ثابت: “اللعب، الأداء، التمثيل” — أي الفعل الذي يجمع الحرية بالحركة، والخيال بالواقع — وهو ما يحفظ دلالة الجذر العربي الأصلية “اللعب” كتحريكٍ لا غايةَ نفعية له سوى المتعة أو التعبير.
4. Faire ← فَعَل
الكلمة الفرنسية Faire (يفعل، يصنع) ترجع إلى اللاتينية facere، وهي في أصلها المقابل الأوروبي للجذر العربي فَعَلَ.
فقد خفّف الفرنسيون حرف العين إلى حركة خفيفة أو صامتٍ زلق، بينما تحولت اللام إلى راء، كما هو مألوف في التطور الصوتي بين اللغات اللاتينية.
وهكذا انتقلت facere → faire، وبقي المعنى ثابتًا: القيام بالفعل أو الإنجاز.
إن التطابق المعنوي التام بين faire و”فعل” يجعل من الصعب تصوّر هذا التوازي كصدفة لغوية، بل كأثر من آثار جذر أقدم مشترك.

يبين لنا تدبر ما تقدّم أن الإصرار على أحادية الجذر الهندو-أوروبي في تفسير أصول اللغات الأوروبية لن يقودنا إلى معرفة ما حدث فعلاً في الماضي اللغوي البعيد. إنّ ظاهرة التماثل الصوتي والدلالي بين عددٍ كبير من المفردات الأوروبية والعربية لا يمكن إرجاعها إلى الاقتراض السطحي، بل تشير إلى تاريخ لغوي مشترك أقدم من التقسيم الثنائي (هندو-أوروبي / عربي).
ومن هنا تبرز المقاربة التكاملية التي لا تكتفي بمطابقة الأصوات، بل تستنطق البنية العميقة للّفظ والمعنى، لتعيد بناء الذاكرة اللغوية للإنسان القديم، وتضع بين أيدينا حقيقةً طال غيابها:
أنّ اللغات الكبرى، مهما تباعدت ظاهريًا، تنبع من وعي إنساني واحد، تشعّب مع الزمن لكن جوهره ظلّ محفوظًا في جذورٍ حيّةٍ تنطق في كل لسان.

أضف تعليق