
منذ نشوء الدراسات اللسانية الحديثة في أوروبا القرن التاسع عشر، استقرّ الرأي الأكاديمي على فرضية الأصل الهندو–أوروبي بوصفها الإطار المرجعي لتفسير القرابة بين اللغات الأوروبية وبعض اللغات الآسيوية. وقد حظيت هذه الفرضية بقبول واسع جعلها تتحوّل إلى ما يشبه “المسلّمة اللسانية”، التي يُبنى عليها معظم البحث المقارن في اللغات الحديثة.
غير أنّ هذا الإطار، على صلابته المنهجية، يُغفل بعداً تاريخياً أعمق يمكن أن يربط بين اللغات الهندو–أوروبية واللغات السامية، بل وسائر اللغات القديمة في آسيا وإفريقيا. إنّ تتبّع الجذور الصوتية والدلالية لكثيرٍ من المفردات في اللغات الأوروبية والآسيوية يقود، بانتظامٍ مدهش، إلى مقابلاتٍ عربيةٍ ذات صلة وثيقة بالمعنى، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في تسلسل الأصل والفروع في شجرة النشوء اللغوي.
1. فرضية اللسان القرآني
تقوم الفرضية المقترَحة على مبدأ أنَّ اللسان العربي ليس لغةً تاريخية محليّة، بل بنيةٌ أمٌّ أصلية تَفرَّعت عنها اللغات البشرية عبر مساراتٍ صوتيةٍ ومعنويةٍ متعاقبة.
وتستند هذه الفرضية إلى ثلاث مقدمات أساسية:
• المقدّمة الصوتية: وجود تماثلات في الحروف المجهورة والمهموسة والتراكيب المقطعية بين العربية واللغات الأخرى، تماثلات لا يمكن تفسيرها بالاقتراض أو المصادفة وحدهما.
• المقدّمة الدلالية: تقاطعٌ واضح في الحقول المعنوية الأساسية (الفعل، الحركة، الإدراك، الطبيعة، الجسد…) بين العربية واللغات الكبرى في أوراسيا.
• المقدّمة القرآنية: إن اختيار الله تعالى للسان العربي ليكون وعاء الوحي في قوله تعالى: “إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون”، يحمل دلالة تتجاوز البعد التعبّدي إلى دلالة معرفية، إذ يشير إلى أن هذا اللسان أقرب الألسنة إلى البنية الأولى للعقل الإنساني.
تستند المقاربة إلى رؤية أنطولوجية ترى في اللغة تجلياً وجودياً للوعي الإنساني الأول، وأنّ اللغة التي انبثق منها وعي الإنسان بوجوده لا بد أن تكون اللسان الأكثر احتفاظاً بجذور المعنى البدئي.
إنّ بنية العربية—من حيث نظام الجذر الثلاثي وقدرتها على توليد المعاني بالاشتقاق لا بالتركيب—تشير إلى نموذج لغويّ يمتلك خصائص “اللغة الأم” (Ursprache) التي افترضها علماء اللسانيات التاريخية، ولكن دون أن يحددوها هويةً أو موضعاً جغرافياً.
وهكذا، فإن اللسان العربي، في تصوّر هذا البحث، هو أقرب تمثيل واقعي لتلك اللغة الأمّ المفترضة، بل هو استمرارٌ حيّ لها في التاريخ.
يقترح البحث تأسيس مدرسة التأثيل القرآني (Quranic Etymology School)، وهي مشروع علمي يسعى إلى إعادة بناء تاريخ اللغات الإنسانية من خلال المقارنة المنهجية مع الجذور القرآنية.
ويقوم المنهج على أربعة محاور تطبيقية:
• التحليل المقارن للمفردات: عبر مقارنة الجذور العربية بما يقابلها في اللغات الأوروبية والآسيوية والإفريقية.
• التحليل الصوتي الزمني: باستخدام أدوات الحوسبة اللسانية لتتبّع التحولات الصوتية المحتملة بين الجذر العربي ونظيره الأجنبي.
• التحليل الدلالي التطوري: دراسة انتقال المعنى من المجرد إلى المحسوس، أو العكس، في ضوء المقابلات العربية.
• التحليل النصي القرآني: بوصفه المرجعية الأعلى لتحديد الأصل الدلالي للكلمات ذات الصلة بالمفاهيم الكونية والإنسانية.
إنّ نزول القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبين لا يُفهم على أنه مجرّد تيسيرٍ للفهم على المخاطبين الأوائل، بل هو إشارة ميتافيزيقية إلى أن اللسان العربي يمتلك بنيةً تطابقُ النمط الأول للبيان الإنساني.
فالقرآن الكريم لا يُعرّف نفسه كتاباً خاصاً بأمّةٍ واحدة، بل “ذكرٌ للعالمين”، ما يجعل من العربية الوعاء العالمي للخطاب الإلهي، وبالتالي اللسان الأقرب إلى فطرة الإنسان اللغوية الأولى.
إنَّ إثبات هذه الفرضية يتطلّب تعاوناً متعدد الاختصاصات يشمل:
• اللسانيات المقارنة والتاريخية،
• الفيلولوجيا،
• الأنثروبولوجيا اللغوية،
• التحليل الإحصائي للحروف والجذور،
• الذكاء الاصطناعي اللغوي.
ويُتوقع أن يؤدي هذا المشروع إلى صياغة نموذج بديل لشجرة اللغات العالمية، تتخذ من العربية مركزاً تأثيلياً، وتعيد توزيع الأسر اللغوية حولها وفق منطقٍ جديد قائم على العلاقات الجذرية لا على القرابة الجغرافية.
إنّ ما يقدّمه هذا البحث ليس يقيناً نهائياً، بل إعلانٌ عن أفقٍ معرفي جديد في فهم أصل اللغة الإنسانية.
فإذا كان اللسان العربي هو أقرب اللغات إلى بنية الوعي الأول، فإنّ إعادة اكتشاف هذا الأصل ليست مجرد عمل لغوي، بل هي إعادة تعريف للإنسان نفسه بوصفه كائناً ناطقاً بالمعنى القرآني للبيان.
وعليه، فإنّ “التأثيل القرآني” ليس فرعاً من فروع علم اللغة فحسب، بل هو مشروع حضاري ومعرفي يرمي إلى إعادة وصل الإنسان بلغته الأولى:
اللسان الذي نزل به الوحي، ونشأ منه الوعي، وتفرّعت عنه لغات البشر جميعاً.
