
تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في العقود الأخيرة أزمةً مركّبة تمتد عبر مستوياتها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والأخلاقية، على الرغم من حفاظها على تفوقها العسكري. وقد أدى تراكم الأزمات الداخلية إلى تراجع في مفهوم “الحلم الأمريكي” بوصفه بنية رمزية وقيمية، كانت عبر قرنين تشكل جوهر الهوية الأمريكية ورأس مالها الحضاري. ما يجعل التساؤل قائمًا: لماذا فشلت البنية السياسية القائمة، رغم تداول السلطة بين الحزبين الرئيسيين، في إحداث نهضة شاملة؟
يأتي فوز زوهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك — باعتباره ممثّلًا لجيل سياسي جديد — ليشكّل علامة على تحوّل بنيوي في المزاج الاجتماعي والسياسي الأمريكي. ما يدفع إلى قراءة هذا الحدث لا بوصفه ظاهرة انتخابية محلية، بل بوصفه مؤشّرًا على بداية إعادة إنتاج النخب القيادية في الدولة.
لا يبدو أن أزمة الولايات المتحدة الراهنة تعود إلى اختلاف البرامج السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين؛ فكلاهما حكم، وكلاهما أخفق في منع تفكك الثقة بين المواطن والدولة. ومن ثَمَّ، يُطرح السؤال المركزي:
هل تكمن الأزمة في البنية العقلية والبيولوجية للنخب السياسية التي تتولى القيادة، لا في البرامج السياسية ذاتها؟
تفترض هذه المقالة أن أحد العوامل البنيوية لأزمة الدولة الأمريكية هو هيمنة الفئات القيادية المتقدمة في العمر على موقع القرار السياسي، بما يترتب على ذلك من:
• تراجع القدرة على اتخاذ قرارات جريئة.
• ضعف المناعة الأخلاقية تجاه ضغوط السلطة والمال.
• الميل إلى المحافظة والجمود بدل المبادرة والابتكار.
وفي المقابل، فإن تجديد النخبة عبر تمكين الجيل الأصغر يمثل شرطًا ضروريًا لإعادة إحياء الوظيفة الأخلاقية والنهضوية للدولة.
رغم التباين الإيديولوجي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلا أن:
• كلاهما حافظ على بنية اقتصادية ريعية لصالح النخب المالية.
• كلاهما أسهم في توسع الفجوة الطبقية.
• كلاهما ورّط البلاد في صراعات خارجية أضعفت العقد الاجتماعي الداخلي.
توحّدت النتائج رغم اختلاف الشعارات.
وهذا يشير إلى أن الأزمة ليست في “البرامج”، بل في من يضعها وينفذها.
تكشف البيانات الديموغرافية أن متوسط عمر القيادات العليا في الولايات المتحدة هو من بين الأعلى عالميًا.
تاريخيًا، كانت الأمم الحيّة تعيد إنتاج قيادتها بصورة مستمرة لضمان تجدد الروح العامة. أمّا الجمود القيادي فيقود إلى ضمور الدولة.
إن انتخاب زوهران ممداني ليس حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل هو:
• إزاحة رمزية لخطاب سياسي هرِم.
• إعلان ولادة جيل قيادي جديد يقدّم نفسه خارج ثنائية الحزبين.
• استعادة لفكرة السياسة بوصفها مشروعًا أخلاقيًا لا وظيفيًا.
يمثل ممداني نموذجًا لقيادة:
• أصغر سنًا.
• أكثر اتصالًا بالواقع الاجتماعي.
• أقل خضوعًا لطبقات النفوذ التاريخية.
• أكثر انسجامًا مع قيم المشاركة والمساءلة والعدالة.
تُظهر المعطيات أن النهضة الأمريكية المحتملة لا يمكن أن تتحقق عبر:
• زيادة الإنفاق العسكري،
• أو إعادة تدوير الخطاب السياسي التقليدي،
• أو تغيير الوجوه ضمن نفس البنية.
بل تتطلب تحولًا بنيويًا يقوم على:
• تجديد النخبة القيادية عبر إدماج الفئات العمرية الأصغر.
• إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المصلحة العامة لا مصلحة النخبة.
• إصلاح الإعلام باعتباره أحد محركات الاستقطاب والانقسام.
• إعادة الاعتبار للأخلاق المدنية بوصفها جوهر “العظمة الأمريكية” كما أرادها الآباء المؤسسون.
إنّ فوز زوهران ممداني يشكّل إشارة مبكرة إلى بدء تحول في البنية القيادية للولايات المتحدة، وعودة الروح إلى الحقل السياسي عبر انفتاحه على طاقات شبابية قادرة على إعادة صياغة مشروع الأمة. وإذا كانت الدول تنهض حين تجدّد نفسها من داخلها، فإنّ هذه اللحظة قد تمثل بالنسبة لأمريكا بداية استعادة الحرية بوصفها قيمة، لا مجرد شعار.
