“الإجازة” ومفارقة الشفاء الطقوسي… دعوة لإعادة النظر في منهج دراسة الظواهر الشفائية غير التقليدية عند الصوفية

منذ بدايات القرن العشرين، حاول عدد من الباحثين في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الباراسايكولوجيا دراسة الظواهر الشفائية غير التقليدية التي تتجلى في بعض الممارسات الطقوسية للدراويش الصوفية. وقد ركزت هذه الدراسات على نماذج استثنائية من الشفاء تظهر في طقوس تتضمن إحداث جروح متعمّدة في الجسد، تُظهر فيها أجساد المريدين استجابة خارقة للمألوف: التئام سريع يفوق القدرة البيولوجية المعروفة، غياب كامل تقريباً للإحساس بالألم، وعدم حدوث مضاعفات التهابية.
ورغم ندرة هذه الحالات وصعوبة توثيقها، فإنّها حظيت باهتمام محدود من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها عبر فرضيات متباينة، شملت التأثير الإيحائي، والتحكم العصبي بالخلايا الحسية، أو آليات مناعية غير مفهومة.
غير أنّ هناك بعداً أساسياً لم يُقدَّر حق قدره في تلك الدراسات، ولم يُؤخذ بنظر الاعتبار بالرغم من وضوحه في سياق الممارسة الصوفية نفسها، وهو دور الإجازة الصوفية التي يمنحها الشيخ لمريدٍ بعينه. فهذه الظواهر لا تظهر عند كل من يشارك في الطقوس، بل تتجلى حصراً لدى من أجازه الشيخ وفقاً لسياق رمزي – معرفي – سلوكي خاص، لا يفهمه إلا الداخلون في التجربة الصوفية ذاتها.

جوهر المفارقة العلمية
إنّ أهم ما يميز هذه الظاهرة عن غيرها من الظواهر الخارقة المنسوبة للإنسان، هو أنّ القدرة الشفائية ليست صفة ذاتية للمريد، ولا هي ظاهرة جماعية تتولد بمجرّد حضور الطقس، بل هي قدرة مُكتسبة تنتقل — وفق ما تقرّره التجربة الصوفية — عبر وساطة الشيخ. فالشيخ الصوفي لا يقوم بإحداث الجرح أو مراقبة التئامه فحسب، بل هو الذي يُعيّن من يقدر على أن يشهد هذه الظاهرة في جسده دون غيره.
وهنا يبرز السؤال العلمي الذي لم يُطرح بما يكفي من الجدية:
ما طبيعة هذه «الإجازة» التي تجعل شخصاً ما قادراً على إنتاج استجابة فسيولوجية خارقة بينما يعجز آخر عنها رغم وجوده في الظروف نفسها؟
وبصفتي رجل علم شهد عن قرب حالات عديدة قام فيها شيخ الطريقة الصوفية بإجازة أشخاص ليسوا من مريديه أصلاً — فأظهروا القدرة الاستثنائية على التئام الجرح دون ألم أو مضاعفات — يمكنني التأكيد بما لا يدع مجالاً للتأويل أنّ الظاهرة لا علاقة لها بالإيحاء أو التوقع النفسي أو ما يسمى “الاستعداد الإيماني”.
لقد مُنح هؤلاء القدرة نفسها، بنفس النتائج الفيزيولوجية، رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والنفسية والعقدية.
هذا الأمر وحده كافٍ لإبطاله كل التفسيرات الإيحائية، ويُلزم البحث العلمي بإعادة النظر في النماذج التفسيرية المستخدمة حتى الآن.
دعوة إلى المجتمع العلمي
لقد آن الأوان لأن يتحول موضوع الإجازة الصوفية من إطار رمزي أو تراثي إلى محور بحثي أصيل تتداخل فيه:
• علوم الأعصاب
• الفيزيولوجيا المناعية
• الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية
• الباراسايكولوجيا البحثية التجريبية
إنّ تجاهل هذا العنصر يجعل أي دراسة لهذه الظواهر دراسة مبتورة، لأنّ الظاهرة الشفائية الاستثنائية هي ليست قابلية فردية.
إنّ فهم ظاهرة الشفاء الطقوسي الصوفي لا يمكن أن يتم دون فهم البنية الروحية التي تسمح بحدوثها.
فالإجازة ليست شكلاً رمزياً للتبعية الروحية، بل هي — وفق ما تشير إليه الشواهد الميدانية — آلية فعالة لتمكين الجسم البشري من إعادة تنظيم استجاباته على مستوى لا يزال خارج نطاق علم الأحياء التقليدي.
ولذلك، فإنّ هذه المقالة تمثّل دعوة مفتوحة إلى المؤسسات العلمية، والمختبرات البحثية، والأقسام الأنثروبولوجية، إلى الشروع في دراسة هذه الظواهر، لا بوصفها حالات غريبة أو فولكلوراً روحياً، بل بوصفها مدخلاً قد يكشف عن بعد وجودي آخر لا يملك العلم الذي بين أيدينا ما يمكنه من التعامل المعرفي معه، إلا بقدر ما يتيحه حد التماس القائم بين هذا البعد الخفي وبعدنا الفيزيائي.

أضف تعليق