
في الخامس من يوليو عام 1962، استقبلت الجزائر استقلالها كدولة ذات سيادة، متوجةً ثورة غيرت وجه المنطقة. كان هذا التاريخ مفصلياً، لكن السيادة الجديدة جاءت بـ “عقد إذعان” ترك جرحاً عميقاً ومستمراً: الموافقة على استمرار التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية حتى عام 1966. إن التخريج القانوني لهذه المأساة، المتمثل في المادة العاشرة من الملحق العسكري لاتفاقيات إيفيان (1962)، وضع على عاتق السلطات الجزائرية آنذاك مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا يمكن إنكارها.
إن جوهر النقد الموجه للسلطة الجزائرية آنذاك لا يكمن فقط في عدم قدرتها على إلغاء بند كان موجوداً، بل في تقصيرها عن ممارسة السيادة الكاملة في أهم ملف يتعلق بأمن وسلامة مواطنيها. كان الثمن المعلن للحرية هو التنازل المؤقت عن حق رفض تدمير جزء من التراب الوطني، وهو تنازل يتعارض بشكل صارخ مع المبادئ التي قامت عليها الثورة.
• فشل في أولوية الإنسان: لا يمكن لأي ضغط اقتصادي أو عسكري أن يكون ذريعة مقبولة لإغفال حقيقة علمية كارثية. كان على القادة، وهم على دراية بالتجارب السطحية المدمرة في رقان قبل الاستقلال، أن يجعلوا سلامة الإنسان والأرض غير قابلة للتفاوض. إن السماح باستمرار التجارب (حتى تحت الأرض في عين كر) يعني إما جهلاً مريعاً أو استخفافاً مروعاً بآثار الإشعاع الذي يدمر الأجيال لألوف السنين.
• المسؤولية القاسية للحاكم: الحاكم المسؤول هو من يضع مصلحة الشعب فوق جميع الاعتبارات السياسية والبروتوكولية. إن القبول بالبند العاشر من الملحق العسكري شكل تقصيراً في الواجب المتمثل بالحفاظ على سلامة المواطنين. كان الإصرار على الوقف الفوري والكامل هو التعبير الحقيقي عن السيادة الوطنية.
تتجلى خطورة هذا القرار في الآثار الكارثية المستمرة حتى يومنا هذا:
• الضرر الإنساني الدائم: ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، والتشوهات الخلقية، والأمراض المرتبطة بالإشعاع بين سكان الجنوب الجزائري، مما يثبت أن القرار لم يكن سياسياً عابراً بل حكم بالإدانة على صحة أجيال.
• التلوث البيئي المستمر: بقاء النفايات المشعة المدفونة في مواقع غير مؤمنة، وتلوث التربة والمياه، وفشل فرنسا في تسليم خرائط مواقع النفايات، مما يحول جزءاً من الصحراء إلى منطقة موت محظورة ويضع عبئاً بيئياً لا يُحتمل على الدولة.
ضرورة إعادة تقييم المسؤولية
إن استمرار معاناة أهل الصحراء الجزائرية يجبرنا على إعادة تقييم هذه الحقبة. يجب أن يُنظر إلى الموقف الجزائري آنذاك على أنه نقطة سوداء تتطلب تحديداً دقيقاً للمسؤولية الوطنية. لا يجب أن يقتصر التاريخ على توثيق جرائم المستعمر، بل يجب أن يمتد ليشمل مساءلة كل من كان له دور في التغاضي عن هذه الكارثة الإنسانية والبيئية، لكي لا يستمر الصمت ليكون جزءاً من الجريمة.
