“نبوءة مئوية”… حين يصبح الخيال العلمي مرآة للواقع المُعاش

إن أدب الخيال العلمي، في أفضل تجلياته، ليس مجرد هروب إلى عوالم افتراضية، بل هو مرآة جريئة للمستقبل، صقلها حدس الكاتب وبصيرته. عندما نقارن روايتي “العالم المتحرر” (The World Set Free) لـ H. G. Wells (1914) و”عالم جديد شجاع” (Brave New World) لـ Aldous Huxley (1932)، لا نرى مجرد عملين أدبيين كلاسيكيين، بل نكتشف خريطتين وضعتا قبل قرن تقريباً، لتفاصيل واقعنا الحالي الذي يهيمن عليه التقدم التقني والذكاء الاصطناعي.
لقد نجح كل من ويلز وهكسلي في التقاط محاور رئيسية كانت تبدو آنذاك خيالية، لكنها اليوم أصبحت حقائق ملموسة:
• ويلز والقدرة الذرية (H. G. Wells): تنبأ ويلز، في روايته، باستخدام البشر لقوة تدميرية هائلة وصفها بـ “القنبلة الذرية” (Atomic Bomb)، وهي فكرة سبقت اختراعها الفعلي بعقود. والأهم من ذلك، رأى أن هذه القوة ستكون القوة الدافعة لإقامة نظام عالمي موحد (Global Government) يسيطر على الصراعات. اليوم، وإن لم يتحقق “النظام العالمي” بالكامل، فإن التكنولوجيا النووية والقوى العظمى العالمية هي التي ترسم المشهد السياسي المعقد، وتجبر على شكل من أشكال التنسيق الدولي تحت التهديد المشترك.
• هكسلي والتحكّم بالبشر (Aldous Huxley): كانت نبوءة هكسلي أكثر قتامة وأشدّ انطباقاً على الثورة التقنية الحالية. لقد صوّر عالماً يتم فيه التكييف الجيني والتحكم العاطفي من أجل “الاستقرار المطلق”.
• الهندسة الوراثية والتصنيف: لم نصل بعد إلى “مزارع” استنساخ البشر التي وصفها، لكن النقاش حول تعديل الجينات (CRISPR) والتخصيب المخبري يُشير إلى اقترابنا من القدرة على تحديد خصائص الأجيال القادمة.
• عقار السوَّما (Soma) والهروب: يرمز “السوَّما” إلى مادة كيميائية تضمن “السعادة القسرية”. هل يختلف ذلك جوهرياً عن الإدمان الحالي على الترفيه الرقمي الفوري، والمسكنات العاطفية، ومنصات التواصل الاجتماعي التي توفر جرعات متقطعة من المتعة السطحية لتجنب التفكير العميق أو المعاناة؟
• الذكاء الاصطناعي والإلغاء التدريجي للفردية: إن صعود الذكاء الاصطناعي هو قلب هذه الثورة. فكما تم في رواية هكسلي تصميم البشر لوظائف محددة، فإن الخوارزميات اليوم تُصمم اهتماماتنا وتحليلاتنا، وتُملي علينا ما نراه وما نفكر فيه، مما يهدد بتوحيد التجارب البشرية وإلغاء الفردية الحقيقية باسم الفعالية والكفاءة.
إن دقة هذه التنبؤات تستدعي التوقف والتساؤل: هل هي مجرد مصادفة، أم أنها نتاج قوة حدسية أعمق؟
لقد وصف عالم النفس السويسري كارل يونغ (Carl Jung) كيف كانت تنتابه “رؤى” مكثفة ومزعجة قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، رأى فيها الدمار والخراب. واستذكر هذه الرؤى عندما شارك فعلياً في الحرب ووجدها تتحقق. بالنسبة ليونغ، لم تكن تلك مجرد خيالات عشوائية، بل ربما كانت تعبيراً عن “اللاوعي الجمعي” (Collective Unconscious) الذي يستشعر التحولات الكبرى التي تطرأ على المصير البشري.
من منطلق العلم، غالباً ما تُعتبر “الرؤى اليونغية” مجرد خيالات نفسية أو توترات لاواعية تزامنت مصادفة مع الأحداث. لكن، حين نرى دقة “وقائع وأحداث” أوردها ويلز وهكسلي في رواياتهما قبل ما يقرب من مئة عام، نجد أنفسنا في مواجهة حقيقة مثيرة للإعجاب: كلا النوعين من التنبؤات – الأدبية والنفسية – يبدو أنه استمد من منبع مشترك يطل على المستقبل. ليس من العلم في شيء الجزم القاطع بأن تلك “الرؤى اليونغية” كانت مجرد خيالات، حيث أنها لا تختلف على الإطلاق عن ما أورده ويلز وهكسلي من وقائع نملك اليوم دليلاً على تماثل الكثير منها مع ما نشهده من ثورة تقنية.
لقد وضع هؤلاء الكتاب والعلماء أيديهم على نُسَخ من المستقبل. سواء كان ذلك عبر قوة الاستنتاج المنطقي المدعومة بالحدس (كما يُفترض في الأدب)، أو عبر إشارات من اللاوعي العميق (كما اقترح يونغ)، فإن النتائج النهائية تثير سؤالاً واحداً مُلحّاً:
ماذا لو أن الإنسان، أو بعض من أفراد الجنس البشري على أقل تقدير، كان بمقدوره أن “يستقبل” رؤى مستقبلية من بُعد آخر لا نملك من “اليقين الفيزيائي” ما يكفي للحكم بانتفاء وجوده؟

أضف تعليق