الإنتقام عند الإنسان… مقاربة فلسفية-أنثروبولوجية

تقوم المقاربة الداروينية المعاصرة للسلوك البشري على فرضية مفادها أنّ الإنسان لا يختلف جوهرياً عن الحيوان في آلياته البايولوجية والاستجابية. ويُستدلّ على ذلك بالتشابه الفسيولوجي العميق بين الإنسان وغيره من الكائنات، وباشتراكهما في عدد من الانفعالات الأولية المرتبطة بالبقاء. غير أنّ هذا التشابه الفسيولوجي لا يكفي ــ من منظورٍ يراعي الفارق النوعي في الوعي ــ لإلغاء التمايز الجذري بين السلوك الحيواني الموجَّه بآليات الدفاع الفطرية وبين السلوك الإنساني القابل للتحوّل إلى آليات انتقام تتجاوز الضرورة البيولوجية وتدخل نطاق الطغيان.

تقوم آليات الدفاع الحيوانية على مبدأ واضح وبسيط:
الاستجابة بقدر الحاجة إلى إزالة التهديد المباشر.
فالحيوان يقاتل حين يُهدَّد، ويكفّ عن القتال فور زوال هذا التهديد. ولا يمتدّ السلوك الدفاعي لديه إلى ما بعد لحظة الخطر، لأن الجهاز العصبي الحيواني لا ينتج تراكماً للضغائن ولا يبني سرديات تُحوِّل الضرر إلى مشروع عقابي طويل الأمد. وبذلك تبقى الغائية التطورية للسلوك الحيواني محافظةً على التوازن البيئي العام، من غير انحراف نحو الطغيان.

أما الإنسان فقد أتاح له نموّ الوعي الرمزي والذاكرة السردية والخيال الأخلاقي أن يحوِّل الفعل الدفاعي إلى مشروع انتقامي يتجاوز الحدّ الذي تقتضيه الضرورة البيولوجية. فالإنسان لا يكتفي برفع التهديد، بل يسعى أحياناً إلى إيقاع الألم المقابل، والمضاعف، والمستمر. وهنا يظهر الفارق النوعي:
الحيوان يدافع لدرء الخطر، الفعل آني ومحدود،  الإنسان ينتقم لإشباع معنى داخلي (الهيبة، الثأر، إعادة الاعتبار)، الفعل ممتدّ في الزمن ومُشرعن بسردية ذاتية لا ذاكرة ضغينة، ذاكرة تراكمية تعيد إنتاج الأذى رمزياً ووجودياً.
إن هذا التحوّل يشير إلى خروج الإنسان عن المخطط التطوري العام للطبيعة؛ فالسلوك الانتقامي لا يؤدي وظيفة بقاء مباشرة، بل يؤدي ــ في كثير من الحالات ــ إلى تفاقم الدمار والعدوان وتآكل البنية الأخلاقية والاجتماعية.

الطغيان ظاهرة لا مكان لها في عالم الحيوان، ليس لغياب القدرة على الإيذاء، بل لغياب الدافع الفائض عن الحاجة. أمّا الإنسان فبمقدوره أن يُخفي نزعة الطغيان في أعماقه زمناً طويلاً، ثم يُطلقها حين تتوافر له الفرصة والسلطة والضمان الاجتماعي لغياب العقاب. ومن هنا تأتي المفارقة:
إن من يبدو وديعاً ودمثاً في حياته العادية قد ينقلب ــ ما إن يمتلك سلطة ــ إلى ممارسة درجات من الإذلال أو القهر لا يمكن تفسيرها بمنطق الدفاع، بل بمنطق السيطرة والانتقام وإثبات الهيمنة.

يظهر التمايز بين الإنسان والحيوان لا في القدرة الجسدية، ولا في حدود الانفعال، بل في القدرة على تحويل الدفاع إلى انتقام، والضرورة إلى فائض، والغريزة إلى مشروع للهيمنة.
وهذا التحوّل لا يمكن رده إلى البيولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى مقاربة فلسفية-أنثروبولوجية ترى أن الإنسان خرج من الطبيعة لا نحو السمو وحده، بل نحو إمكانية الطغيان أيضاً.

أضف تعليق