
تبدو بعضُ أبياتِ الشعر العامي، في ظاهرها، وكأنها مجرد بوحٍ عابرٍ لوجدانٍ بسيطٍ أثقلته هموم الحياة اليومية. غير أنّها، في لحظاتٍ استثنائية، تُفصح عن حكمةٍ كُبرى ورؤيةٍ عميقة تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس “حال الإنسان” في أصله الوجودي. ولعلّ من أبرز الأمثلة على ذلك البيت العراقي المغنى:
“ومكافش من الرُّوس آنه وزماني
كضيته من عِلباه عضني من أذاني”
ومعناه على نحوٍ تقريبي:
لقد خضتُ صراعاً طويلاً مع الزمن ومشكلاته، صراعاً لا يُعرَف له حسمٌ. فلا أنا غلبتُ الزمان، ولا الزمان انتصرَ عليَّ تماماً. وحين ظننتُ أني قد أفلحتُ أخيراً في قهر مكائده، باغتني بما هو أدهى وأقسى، حتى كأنّه عضَّني من موضعٍ لم أكن أتوقعه.
هذا البيت الشعبي، بلهجته البسيطة وصوره القريبة من الحسّ اليومي، يحوي تأملاً فلسفياً دقيقاً في طبيعة الإنسان وفي التجربة الإنسانية برُمّتها. فالإنسان ـ في تعريف وجوده الأعمق ـ كائنٌ يُلقى في معترك الحياة بلا استعدادٍ كافٍ، ويجد نفسه في مواجهة سلسلةٍ لا تنتهي من الابتلاءات والاختبارات، بعضها خارجيّ بفعل الظروف، وبعضها داخليّ بفعل النفس ذاتها.
هذه “الطبيعة المتصارعة” هي ما وصفه الفكر الحديث بـ The Human Condition:
حالة الإنسان الوجودية التي تتسم بالتناقض، والقلق، والكفاح المستمرّ. فهو يُجاهد ليُحقّق ذاته، ويُجاهد ليقاوم ضعفه، ويُجاهد ليصنع لنفسه معنى في عالمٍ يبدو كثيراً ما محايداً تجاه معاناته.
وليس غريباً أن تُجسِّد الحكمة القرآنية هذا البعد الجوهري ببيانٍ بالغ الإيجاز والعمق:
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}
[البلد: 4]
أي: في تعبٍ دائم، ومجاهدةٍ متصلة، وكفاحٍ لا يهدأ.
فالإنسان لا يُصنع وجوده إلا وهو “ينحت نفسه” من صخر الضعف والميل والهوى. فهو كائنٌ مُهيأٌ للارتقاء، ولكنه أيضاً مُعرّض للسقوط. وبين هذين الجانبين تدور كلّ مأساته وكلّ عظمته.
إنّ البيت الشعبي المذكور لا يُحيل إلى الزمن باعتباره عدواً خارجياً فقط، بل يلمّح ـ دون تصريح ـ إلى أن أشدّ ما يعانيه الإنسان هو صراعه مع نفسه.
فالنفس “أمارةٌ بالسوء” بطبيعتها الأولية، كما يخبرنا القرآن، وهي تدفع صاحبها إلى ما يهوى ولو كان فيه هلاكه. ولا سبيل لترويضها إلا بإرادةٍ تُحمَل حملاً، وقهرٍ يتكرر، ومجاهدةٍ لا تتوقف.
ولهذا قال الحكماء قديماً:
“أعظم معركة يخوضها الإنسان هي تلك التي يخوضها مع نفسه.”
فحين يقول الشاعر الشعبي:
“كضيته من علباه عضني من أذاني”
فإنه يُحيل دون أن يدري إلى ما يسميه الفلاسفة “الدهاء التراجيدي للوجود”، حيث لا ينتهي الصراع بانتصارٍ نهائي، بل يعود في صورٍ أخرى تتطلب وعياً أعمق ونضجاً أكبر.
ليست الحكمة وقفاً على الكتب الثقيلة، ولا على المنابر الفلسفية العالية. فقد تسكنُ في بيتٍ شعبيّ بسيطٍ تغنّاه الناس على مقامات العتاب والألم.
هذا البيت العراقي، بما يحمله من صدق التجربة وعمق الإدراك، يلخّص مأساة الإنسان وفرادته معاً: فهو مُتعبٌ، مُنهكٌ، مُحاصرٌ بضعفه وظروفه، ولكنه في الوقت ذاته مُنذورٌ لأن يكون كائناً قادراً على أن يسمو ويتجلّى حين يُحسنُ إدارة هذا الصراع.
إنّ “حال الإنسان” هو أن يعيش في كَبَد،
ولكن كرامة الإنسان هي أن لا يستسلم للكَبَد.
