مقارنة بين الطغيان عند الإنسان والاتزان عند الحيوان… مقاربة فلسفية-أنثروبولوجية

يُعدّ السلوك العدواني جزءاً من البنية الطبيعية للكائنات الحية، إذ يرتبط بالدفاع عن النفس وحماية الموارد واستمرار النوع. غير أنَّ هذا السلوك لا يتخذ الشكل ذاته عند جميع الكائنات. فبينما يميل الحيوان إلى ممارسة العدوان في إطار وظيفة بيولوجية محدودة ومنضبطة بحدود التهديد المباشر، نجد الإنسان قادراً على تجاوز هذا الحد الوظيفي ليحوّل الدفاع إلى انتقام، والسيطرة إلى طغيان.
هذا التباين لا يمكن تفسيره تفسيراً فسيولوجياً فحسب، بل يستدعي مقاربة أنثروبولوجية وفلسفية تُبرز الفارق النوعي في الوعي والرمز والسرد بين الكائنين.
تستند آليات الدفاع عند الحيوان إلى ما تفرضه الضرورة البيولوجية المباشرة؛ فالمواجهة تحدث فقط حين يكون هناك:

  • تهديد لحياة الحيوان،
  • أو منافسة على مورد،
  • أو دفاع عن صغار.
    وما أن يزول التهديد حتى ينتهي السلوك العدواني تماماً. ويُظهر عالم الحيوان أمثلة واضحة:
  • في جماعات الذئاب، تنتهي معركة السيادة فور قيام الفرد الأضعف بإظهار إشارة الاستسلام، فيمتنع الفرد الأقوى عن القتل رغم قدرته عليه.
  • لدى الأسود، حين تخسر مجموعة منطقة نفوذها، فإنها تنسحب دون محاولة لاحقة للثأر أو لاسترداد الاعتبار.
    هذا الانضباط ليس فعلاً أخلاقياً، بل هو قانون تطوري يحفظ البنية الداخلية للجماعة ويقيها الانقسام.
    الحيوان لا يعرف الضغينة، لأنه لا يملك ذاكرة رمزية تبني سرديات عن الإهانة أو الحاجة للانتقام.
    على النقيض، يمتلك الإنسان جهازاً معرفياً يتيح له:
  • تخزين الأذى في الذاكرة،
  • وتأويله بوصفه إهانة للذات،
  • وإعادة صياغته عبر سردية تحتاج إلى ردّ.
    من هنا يتحوّل الدفاع إلى مشروع انتقام ممتد يتجاوز الضرورة البيولوجية:
  • في الثأر القبلي، قد تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة قتل تستمر أجيالاً، رغم انتهاء التهديد الأول.
  • في الحروب العقابية، مثل تدمير قرطاج (146 ق.م)، تجاوزت روما الحاجة إلى تحييد العدو، فاختارت محو المدينة بالكامل، بهدف تثبيت الهيمنة الرمزية.
    الانتقام عند الإنسان ليس فعلاً دفاعياً، بل إعادة كتابة لمعنى الذات عبر إيقاع الأذى بالآخر.
    يتجلّى الطغيان عندما:
  • يصبح إيقاع الألم غايةً في ذاته،
  • لا وسيلة لدرء خطر.
    وهذا مرتبط بقدرة الإنسان على أن:
  • يُسقط ذاته على العالم ويرى فيه امتداداً لهيبته،
  • يبني سلطة فوق الضرورة الطبيعية،
  • يُخفي نزعة السيطرة في اللاوعي ثم يطلقها حين تتوافر السلطة.
    فالإنسان كائن قادر على الإفراط لأنه كائن قادر على الرمز.
    والرمز هو ما يجعل الشر قابلاً للتبرير.
    يُظهر هذا التحليل أن الفارق الجوهري بين الحيوان والإنسان لا يكمن في القدرة على الإيذاء، بل في القدرة على تحويل الإيذاء إلى معنى.
    فالحيوان كائن متزن لأن سلوكه محكوم بالمخطط التطوري للطبيعة، بينما الإنسان قابل للطغيان لأنه يملك الوعي الذي يمكّنه من تجاوز الضرورة.
    وبذلك، لا يكون الخطر في ما يمتلكه الإنسان من قوة، بل في ما يضيفه وعيه من فائض على تلك القوة.
    الإنسان خرج من الطبيعة لا نحو السمو وحده، بل نحو إمكانية الطغيان أيضاً.
    ولا حل بشرياً بمقدوره أن يعيد الإنسان إلى اتزانه الطبيعي، ناهيك عن أن يسمو به بعيداً عن ضعفه الخَلقي. وحده الحلُ الإلهي بمقدوره ذلك.

أضف تعليق