من حجر رشيد إلى تمثال نفرتيتي… د. مونيكا حنا ومسؤولية استرداد الذاكرة المسلوبة

من بين أكثر الصفحات قتامة في تاريخ العلاقة بين أوروبا الاستعمارية والشرق، تلك الصفحات التي تعلقت بآثار مصر القديمة. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد انتقال قطع أثرية من جغرافيا إلى أخرى، بل تتعلق ببنيةٍ كاملة من نهب الذاكرة، وتفكيك السردية التاريخية، وتحوّل الماضي الحضاري إلى ملكية استعمارية، تُعرض خارج سياقها، وتُعاد قراءتها بمنهجية تخدم تصوّرات القوة الإمبراطورية.
يكفي أن نستذكر حجر رشيد، الذي غادر مصر في سياق صراعات استعمارية بين الفرنسيين والبريطانيين، لينتهي به الأمر اليوم معروضاً في المتحف البريطاني، بوصفه “اكتشافاً علمياً غربياً”، بينما حقيقة الأمر أنّه نتاج حضارة مصرية لم يكن الغرب ليستطيع قراءتها لولا وجود هذا الحجر المصري نفسه. وكذلك الحال مع تمثال نفرتيتي المحفوظ في متحف برلين، الذي تحوّل إلى أيقونة جمالية أوروبية، مُجرّد من سياقه التاريخي والرمزي والديني والسياسي في مصر القديمة.
هذه الأمثلة ليست حوادث منفصلة، بل جزء من منظومة ممنهجة كانت ترى في الشرق مصدر مادة ثقافية قابلة للاقتلاع والتملك وإعادة التوظيف.
في مواجهة هذا الإرث المعقّد، تبرز عالمة المصريات الدكتورة مونيكا حنا بوصفها واحدة من أهم الأصوات العلمية التي تصرّ على طرح سؤال لا يريد كثيرون مواجهته:
من يملك حق الكلام باسم تاريخ مصر؟ ومن يملك حق الاحتفاظ بأيقوناته المادية؟
على مدى أكثر من عشرين عاماً، واصلت د. مونيكا حنا جهدها البحثي والأكاديمي في تتبّع تاريخ الحفائر، وخرائط الاكتشافات الأثرية، ومسارات خروج القطع من مصر، ومصير الأرشيفات العلمية المرتبطة بها. وقد كشفت عبر بحوثها ومحاضراتها وكتاباتها سلسلة من الحقائق الصادمة حول الطريقة التي تم بها التحكم الاستعماري في رواية تاريخ الحضارة المصرية، ليس فقط عبر الاستيلاء على الآثار، بل أيضاً عبر احتكار الأرشيفات والوثائق، بل وحتى اللغة المنهجية التي يُكتب بها تاريخ مصر القديمة.
هذا الجهد لا يندرج ضمن نطاق الغيرة الوطنية أو الخطاب الشعبوي، بل هو مشروع علمي يستعيد حق المصريين في امتلاك سرديتهم التاريخية وذاكرتهم الثقافية.
في كتابها The Future of Egyptology، والذي تُرجم إلى العربية بعنوان “مستقبل علم المصريات”، تدعو د. مونيكا حنا إلى إعادة صياغة الأسئلة الأساسية التي يقوم عليها هذا العلم:
• من يحق له أن يفسّر تاريخ مصر القديمة؟
• ما حدود شرعية الحفائر الاستعمارية التي تحولت إلى ملكيات متحفية غربية؟
• كيف يمكن بناء منهج مصري ـ عالمي — لا قومي ولا استعماري — يعيد العلوم التاريخية إلى جذورها الأخلاقية؟
هذا الكتاب لا يكتفي بوصف الماضي، بل يقدّم خارطة طريق نحو مستقبل تتوازن فيه الضرورات الأكاديمية مع الحق الثقافي للشعوب في ذاكرتها.
إن قضية الآثار المصرية المنهوبة ليست مسألة متاحف أو ملكية ثقافية فحسب؛ إنها قضية هوية.
وحين تتقدم باحثة مصرية مثل د. مونيكا حنا لتعيد فتح هذا الملف الشائك، فهي لا تدافع عن الماضي وحده، بل عن حق الحاضر في أن يفهم نفسه، وعن حق المستقبل في أن يبني سرديته على أساس عادل، لا على ذاكرة مبتورة أو محكومة بالهيمنة.
ولذلك، فإن الإشادة بجهد د. مونيكا حنا ليست مجرد تقدير لشخص، بل اعتراف بضرورة إعادة بناء علاقة المصريين بتاريخهم، بوصفها خطوة أساسية في استعادة الوعي الحضاري، وفي تحرير التاريخ من قبضة السرديات التي صاغها الآخرون.

أضف تعليق