الرخصة الصوفية كآلية فعّالة في ظواهر الشفاء الصوفي… مراجعة نقدية للدراسات الأنثروبولوجية والباراسايكولوجية ودعوة لبناء نموذج بحثي جديد

شهد القرن العشرون وبدايات القرن الواحد والعشرين اهتماماً متقطعاً بدراسة الظواهر الشفائية غير التقليدية، بخاصة تلك المرتبطة بالممارسات الصوفية في العالم الإسلامي. وقد تمحور هذا الاهتمام حول الطقوس الجسدية الاستثنائية التي يمارسها بعض الدراويش، والتي تتضمن إحداث جروح ذاتية أو تعريض الجسد لأذى جسيم، مع ملاحظة التئام سريع، وغياب شبه كامل للإحساس بالألم، وانعدام المضاعفات الالتهابية.
ورغم أن هذه الممارسات وثِّقت في بعض الدراسات الأنثروبولوجية والباراسايكولوجية، إلا أنّ التركيز كان موجهاً نحو الأثر الجسدي حصراً، مع إهمال البنية الروحية والمؤسسية التي تجعل هذه الظواهر ممكنة داخل نسق صوفي محدد.
إن هذا الإهمال — أو التجاهل — هو ما تمثله هذه الدراسة بوصفه النقص المنهجي الجوهري في مقاربة الظاهرة.

مراجعة مختصرة للأبحاث الغربية حول الظاهرة
سجّلت الأدبيات الأنثروبولوجية عدداً من المحاولات المهمة، ومنها:

  1. F. E. Peters أنثروبولوجيا الإسلام الطقوسي ركز على البنية الشعائرية دون تحليل آليات الأثر الجسدي
  2. Erika Bourguignon حالات الوعي المتحوّلة نسبت الظاهرة إلى «تعديل الوعي» دون تفسير الجرح الفيزيولوجي
  3. Michael Harner أنثروبولوجيا الشامانية قارب الظاهرة بوصفها «إيحاءً جماعياً»
  4. William Sargant علم الأعصاب الإيحائي حاول تفسير الظاهرة كنوبة انفصالية ذاتية التنظيم.
    وتشاركت هذه الدراسات — رغم اختلاف خلفياتها — في افتراضٍ مسبق مؤداه:
    «ما يظهر خارقاً إنما هو نتيجة نفسية أو اجتماعية، وليس نتيجة فعالية حيوية أو روحية أو علاقية».
    وبذلك أُقصي البعد العلائقي الصوفي (الشيخ–المريد) من التحليل، على الرغم من كونه مركزياً في التجربة نفسها.

موضع القصور في هذه المقاربات
أ. التجاهل المنهجي لعنصر الإجازة الصوفية
لم تبحث الدراسات السابقة في السبب الذي يجعل بعض المشاركين في الطقس قادرين على تحمل الأذى دون ضرر، بينما يعجز آخرون.
فهي افترضت أن الظاهرة فردية أو جماعية، بينما هي في الواقع — وفق الشاهد الصوفي — ظاهرة انتقالية تعتمد على علاقة روحية-وظيفية محددة.
ب. افتراض مسبق بأنّ “الروحاني” مجرد رمز اجتماعي
تم التعامل مع مفهوم الولاية و السند الروحي كخطاب ميثولوجي، وليس كآلية تأثير فعّالة.
ج. تفسير الظاهرة من خارجها لا من داخل بنيتها
تمت قراءة الطقس الصوفي بعين بيولوجية-نفسية، دون الاعتراف بأنّ الممارسة ليست فعلاً جسدياً بل بنية معرفية-كينونية.

الشهادة الميدانية ودلالتها المنهجية
بوصفي شاهداً على حالات متعددة أجاز فيها شيخ الطريقة الصوفية أشخاصاً ليسوا من مريديه، فظهرت فيهم القدرة ذاتها — التئام سريع، غياب الألم، غياب الالتهاب — فإنّ هذه المعاينات تنفي التفسيرات الإيحائية والسلوكية، لأن:

  • الأشخاص لم يكونوا مؤمنين مسبقاً بالدور الروحي للشيخ.
  • الظاهرة حدثت فور الإجازة، دون إعداد نفسي طويل.
  • النتيجة الجسدية قابلة للملاحظة والقياس وليس مجرد تجربة ذاتية.
    وبذلك يصبح «الإذن الصوفي» متغيراً فعالاً ينبغي إدخاله في أي نموذج تفسيري.

نحو إطار بحثي جديد
أ. الاعتراف بأن الظاهرة ليست فردية بل علائقية
أي أنّ ذات الجسد لا تنفعل بذاتها، بل من خلال نقل لحالة وظيفية.
ب. التفكير في الإجازة بوصفها:

  • إشارة تنظيم عصبي-مناعي لا نعرف آليتها بعد
  • أو تفعيل مسار وعي-جسد غير مكتشف
  • أو إعادة تركيب لعتبة الألم والتئام الأنسجة عبر مسار فوق إرادي
    ج. توصيات بحثية:
  • تصميم بروتوكولات تصوير عصبي (fMRI / EEG) قبل/بعد الإجازة.
  • قياس مؤشرات المناعة والالتهاب (Cytokine Profile).
  • تحليل الفروق بين المجيزين وغير المجيزين في السياق نفسه.
  • العمل الميداني داخل الطرق الصوفية المعاصرة بدلاً من التحليل الخارجي.

إنّ التعامل العلمي الجاد مع الظاهرة يستلزم الاعتراف بأنّ ما يحدث ليس مجرد أداء طقسي، بل انتقال حالة وظيفية من الشيخ إلى المريد.
والإجازة الصوفية — في ضوء الشواهد الميدانية — تمثل مفتاح الفهم الذي غاب عن البحث الأكاديمي.
إنّ إخضاع هذا العنصر للدراسة لن يكشف فقط عن حدود جديدة لوعي الجسد البشري، بل قد يعيد تعريف العلاقة بين الروح والوظيفة البدنية في العلم المعاصر.

أضف تعليق