العدوانُ البَشَري… جدليةُ الإرادةِ والقدرة

الإنسانُ، في نظرِ اللهِ تعالى، مخلوقٌ يعرِّفُه سعيُه: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى( (39 النجم). فالإنسان، وفقاً لهذا التعريفِ القرآني، مخلوقٌ متعالٍ على الجنس والنوع والعِرق وأيِّ تصنيفاتٍ أخرى درجَ البشرُ على الأخذِ بها حين يجري تقييمُ أفرادِ النوعِ الإنساني. فاللهُ تعالى لا يُقيمُ أيَّ اعتبارٍ لكلِّ هذه التصنيفات الوضعية التي لا أصلَ لها يمتُّ بِصلةٍ لحقيقةِ الإنسان. فالبشر، وإن تباينت تصنيفاتُهم جنساً ونوعاً وعِرقاً ومستوىً اجتماعياً ومعتقداً، فإنهم متساوون في “النفسِ” التي ابتلى اللهُ تعالى بها كلَّ واحدٍ منهم. وما تباين البشرِ فيما بينهم إلا بمقدارِ ما يبذلُه واحدُهم من جهدٍ في مسعاه الهادفِ للتصدِّي لهذه النفس التي لن تكفَّ يوماً عن مساعيها الدؤوبة لإدامةِ “غفلتِه الوجودية” التي تكفل لها دوامَ إحكامِ سيطرتِها عليه. ولذلك فإنَّ كلَّ تمييزٍ بين البشر بمقتضى تباينِهم الخَلقي والظرفي لا يأخذه اللهُ تعالى بالحسبان، وذلك طالما لم ينجم عنه ما يكفل لواحدِهم تمايزاً حقيقياً عن غيرِه بمسعاه المنطوي على ما يقومُ بتفعيلِه من إرادتِه الحرة وهو يتصدى لنفسِه الأمارةِ بالسوء. فالناسُ كلُّهم جميعاً متساوون في حظِّهم من هذه النفسِ التي لن تُمايزَ بينهم فيما تسبغُه عليهم من رذيلِ صفاتِها ودنيءِ خصالِها. فكلُّ البشر على ذاتِ القدرِ من هذه الصفاتِ التي اكتنزتها النفسُ في أعماقِها، والتي لن تبخلَ على أيٍّ منهم بما يجعلُه أسيرَها المتعبدَ لخبالِها.
ولذلك فإنه لا يصحُّ أن نحسبَ صدورَ عدوانٍ ظالمٍ من قبلِ أحدِهم عملاً يجعلُه أسوأ من غيرِه الذي ما كان إحجامُه عن القيامِ بعملٍ عدواني يفوقُه ظلماً إلا بسببٍ من كونِه أقلَّ منه قدرةً على مجابهةِ عواقبِ هذا العدوانِ الظالم سواء كانت قانونية وضعية أو قانونية دينية. فلو أنَّ صاحبَنا الخائفَ هذا أمِنَ العقوبة الوضعية لما قصَّر في عدوانِه الظالم، ولو أن أحدَهم قدَّم له مقاربةً تفسيرية أقنعَه بمقتضاها بأنه في مأمنٍ من العقوبةِ الدينية لفعلَ الشيءَ ذاته. فالتديُّنُ الحق يقتضي من المرء أن يطيعَ اللهَ إطاعةً تتعالى على أيِّ تخريجٍ أو تسويغٍ أو تكييف، وذلك من دون أن يخالطَها ما يتعارضُ مع التعريفِ الإلهي لها بأنها فعلٌ دونه التمردِ والإفسادِ في الأرض.
إنَّ هذه المقاربةَ الجديدة للعدوانِ البشري الظالم تكفل لنا أن نجزمَ بيقينٍ تام أنَّ ما ينبغي أن يحولَ بين إقدامِ المرء على فعلٍ ينطوي على عدوانٍ ظالم، هو ليس جُبنُه أو تخوفُه أو أيُّ شيءٍ آخر غير إيقانِه بأنه لن يسموَ ويرتقيَ فوق بشريتِه المبتلاة بنفسِه، إلا بأن تكونَ النيةُ من وراءِ هذا الإحجام تشتملُ على تقوى اللهِ حقَّ تقاتِه. فتفعيلُ المرء لإرادتِه الحرة، وبما يجعله لا ينصتُ لنفسِه الأمارةِ بالسوء وهي تدعوه إلى ممارسةِ العدوانِ الظالم، هو وحده ما سوف يحول دون أن يسارعَ إلى ممارسةِ هذا العدوان حين تزول العوائق الوضعية وتتجلى النفسُ البشرية بكلِّ ما اختزنته داخلَها من شرٍّ وبيل.

أضف تعليق