السيادة الحقة بين المروءة النيتشوية والتحرر الإيزوتسوي

في المشهد الفكري العربي المعاصر، يبرز اسم المستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) كأحد أهم المؤثرين في المدرسة التفسيرية القرآنية الحديثة. فقد نجح إيزوتسو في تقديم قراءة للنص المؤسس تعتمد على علم الدلالة الحديث (Semantics)، منطلقاً من اللغة لفهم الرؤية الكونية للقرآن الكريم. كان مشروعه، الذي يركز على تحليل المفاهيم المفتاحية وتتبع تحولاتها الجذرية من النظام الجاهلي إلى النظام القرآني، ذا تأثير بالغ على رواد المنهج النقدي والبنيوي في التراث، وفي مقدمتهم الدكتور محمد عابد الجابري والدكتور محمد أركون، وآخرون ممن سعوا لتجديد فهم النص بعيداً عن الجمود التقليدي.
وفي ظل هذا التفاعل العميق مع التراث والمناهج الغربية، يصبح من الضروري مقاربة الإشكال الفلسفي للسيادة والعبودية، عبر وضع رؤية إيزوتسو في مواجهة فكرية مع الفيلسوف الغربي الأكثر إثارة للجدل: فريدريك نيتشه.
يلفت النظر أن نيتشه، في تحليله لجذور القيم والأخلاق ضمن كتابه “جينالوجيا الأخلاق”، أشاد بـ “العربي الفارس الشهم ذي المروءة”. لكن هذا التشبيه لم يكن احتفالاً بالثقافة، بل كان توظيفاً رمزياً في سياق نظريته عن أخلاق السادة وأخلاق العبيد.
فالسيادة عند نيتشه هي منجز اجتماعي يُعرّف من خلال الآخر. السيد الحقيقي (النبيل) هو الذي يكتسب تفوّقه الخُلُقي بمقدار تمايزه وتنافره عن الآخرين. السيد يُحدّد “الجيد” بناءً على صفاته الذاتية (القوة، الشجاعة، تأكيد الذات)، بينما يُعرّف “السيئ” بأنه النقيض له. وبذلك، فإن السيد هو النقيض الجذري لـ “العبيد”، الذين يتسمون بصفات الخضوع، الخنوع، القبول بالإملاء والتوجيه، والضعف.
المفارقة النيتشوية: السيد لا يحقق سيادته إلا من خلال وجود العبيد الذين يعرّفون قيمته السامية. السيادة تُصنع بالضرورة عبر الاستعلاء على الآخرين والتحرّر من أخلاقهم (التي هي أخلاق حقد بالنسبة لنيتشه). هذه النظرة هي نتيجة منطقية لإيمان نيتشه الإيديولوجي بأن “الإله قد مات”، وبذلك سقطت كل القيم المطلقة، وصارت السيادة تُعرّف ذاتياً وبشرياً بحتاً عبر الصراع والاجتياز.
في المقابل، يقدم إيزوتسو، من خلال تحليله الدلالي العميق للمفاهيم القرآنية، مقاربة مختلفة جذرياً لما يجعل من الإنسان “سيداً بحق”. يمكن استخلاص رؤيته من تحليله لمفاهيم العلاقة بين الله والإنسان والعبودية والحرية.
يرى إيزوتسو أن السيادة الحقيقية لا تتحقق باستعباد الآخر، بل بـ التحرر من العبودية للنفس. فالسيد الحق هو كل من حقق السيادة المطلقة على نفسه بعد أن كان في عبودية تامة لأهوائها ورغباتها (النفس الأمّارة بالسوء). هذا التحرر لا يتم إلا عبر سلوك تعبّدي ممنهج قوامه اتباع هدي الله.
التحرر الإيزوتسوي: السيد لن يصبح سيداً باستعباده الآخرين، ولكنه سيغدو السيد الحق على وجوده بتحرره من عبوديته لنفسه. إن إيزوتسو يدرك أن لا سيادة حقيقية للإنسان على نفسه إلا بعبوديته لله؛ لأن العبودية لله وحده هي التي تضمن تحرير الإنسان من عبودية كل شيء آخر، بدءاً من ذاته. هي عبودية تُعلي من شأن الإنسان ليكون خليفة الله، فيصبح سيداً ليس لأنه قوي على غيره، بل لأنه قوي على ذاته.
يكمن الفارق الجوهري بين المقاربتين في مصدر ومنهج تعريف السيادة. فنيتشه، تحت وطأة زعمه الإيديولوجي ب “موت الإله”، وضع العبء الكامل للسيادة على كاهل الإنسان وحده، مما أدى إلى سيادة تُعرّف بالاستعلاء الأفقي. بينما إيزوتسو، من خلال تحليله للتراث، يُظهر أن السيادة الحقة هي ثمرة العبودية العمودية (لله)، وهي عبودية تمنح الإنسان أقصى درجات الحرية الداخلية والقوة على النفس.

أضف تعليق