
يمثّل العدوان أحد أكثر السلوكيات الإنسانية إثارة للجدل في الفلسفة الأخلاقية وعلم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا. فالسؤال المحوري الذي طالما شغل الفكر الإنساني هو: هل العدوان فعلٌ نابع من طبيعة الإنسان البيولوجية، أم أنه نتيجة مباشرة لاختياراتٍ حرةٍ تتحكم بها الإرادة؟ وهل الامتناع عن العدوان ينمّ عن فضيلة أخلاقية راسخة، أم أنه مجرّد نتيجة لغياب القدرة أو الخوف من العقوبة؟
يقدّم القرآن الكريم مدخلاً مختلفًا لفهم المسألة، يقوم على أنّ قيمة الإنسان تُقاس بفعله ومسعاه:
«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (النجم 39).
وبذلك فإن التقييم الأخلاقي لا ينطلق من النتائج ولا من القدرات البيولوجية، بل من الاختيار الإرادي في مواجهة نوازع النفس.
هذه الورقة تسعى إلى بناء مقاربة عقلية-قرآنية تربط العدوان بـ جدلية الإرادة والقدرة، وتبيّن أن معيار التمايز الأخلاقي بين الناس ليس الخوف أو العجز، بل تقوى الإرادة ووعيها بذاتها.
يقدّم القرآن تصوراً للإنسان بوصفه كائناً يتحدد بما يفعل لا بما يُولد عليه. فالفوارق الجندرية والعرقية والاجتماعية لا تدخل في ميزان التقويم الإلهي:
«إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات 13).
وبذلك ينهار الأساس الذي يقوم عليه الترتيب الطبقي للأفراد وفق القوة، والنفوذ، والقدرة على فرض السيطرة.
الفارق ليس في ما يملكه الإنسان، بل في كيف يتصرف بما يملك.
يقرّ القرآن بوجود نزوع عدواني كامِن في النفس:
«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (يوسف 53).
هذا النزوع لا يختص بفئة من البشر دون أخرى.
لا يوجد “إنسان شرير بالطبيعة” وآخر “خَيِّر بالطبيعة”؛
بل كلّ نفسٍ تحمل الاستعداد للعدوان، والاختلاف يتحدد وفق كيفية تعامل الإرادة مع هذا الاستعداد.
وبذلك تصبح المعركة الأخلاقية معركة داخلية لا خارجية.
ليس كل من لم يعتدِ فاضلاً بالضرورة. فهناك:
• من لم يعتدِ لأنه خائف من العقوبة القانونية.
• ومن لم يعتدِ لأنه يخشى العاقبة الأخروية بعد أن أقنع نفسه بتأويلات تضفي المشروعية على أفعاله.
• ومن يمتنع لأن ضميره الأخلاقي قائم على تقوى حقيقية تجعله يرى العدوان خيانة لجوهر إنسانيته.
النوع الأخير فقط هو الذي يسمو.
فالامتناع عن العدوان لا يكتسب قيمته الأخلاقية إلا إذا كان ثمرة نضال إرادي حر ضد ميول النفس، وليس ثمرة خوف أو عجز.
إذا أردنا معرفة مقدار التقوى الحقيقي لدى الإنسان، فلننظر إلى حاله حين تتلاشى الموانع:
• إذا زال القانون،
• إذا غاب الرقيب،
• إذا توفرت القدرة على الظلم دون عقاب،
هل يبقى ممتنعًا؟
أم يسارع إلى استثمار القدرة لأجل الهيمنة والعدوان؟
هنا يظهر الفارق الجوهري بين:
• أخلاق القوة (التي تنهار بزوال الردع)،
• وأخلاق الواجب (التي تستمد قوتها من الإرادة الداخلية).
يترتب على ذلك أن معيار التفاضل بين البشر هو: قدرتهم على تفعيل إرادتهم الحرة لمجابهة النفس.
وليس:
• شدة بأس الإنسان،
• ولا سلطته السياسية،
• ولا مكانته الاجتماعية،
• ولا مهارته في اختراع تبريرات لعدوانه.
فالإنسان يرتقي بمقدار ما يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يقهر غيره.
العدوان البشري ليس قدراً بيولوجياً محتوماً، ولا نتيجة مباشرة للظروف الاجتماعية وحدها، بل هو اختبار إرادي يكشف مقدار سيادة الإنسان على نفسه.
والتقوى، في ضوء هذا الفهم، ليست حالة وجدانية أو طقسية، بل فعل مقاومة أخلاقية لا يتقوم إلا حين تتاح إمكانية العدوان ثم يُختار عدمه.
وبذلك تتحول الأخلاق من خطاب نظري إلى معركة وجودية يومية، يكون فيها الإنسان خصم نفسه قبل أن تُغريه بالعدوان الظالم على غيره.
