
يظنُّ البعض أنَّ اللهَ تعالى قد ألهمَ كلَّ نفس “فجورَها وتقواها” إلهاماً من لدنه، وذلك وفقاً لمقاربةٍ تفسيرية تفتقرُ إلى التدبر لقولِه تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (7- 8 الشمس). فهذه المقاربة تفترض تدخلاً إلهياً مباشراً تمخَّض عنه هذا الإلهامُ الإلهي لكلِّ إنسان. ومكمن الخطأ في هذه المقاربةِ التفسيرية هو الاحتكامُ إلى تحميلِ معنى الكلمةِ القرآنية “فألهمَها” حمولةً دلالية لم تظهر على الساحةِ اللغوية العربية إلا بعد مضي ما يقرب من أربعةِ قرون على اكتمالِ نزولِ القرآن. فالإلهام، بهذا المعنى، يشتمل على ما يشبه “الوحي”. ومن هنا ظهرت تعبيراتٌ مثل “الزعيم المُلهَم” و”الإلهامُ الشعري”. وهذه الحمولةُ الدلالية للكلمةِ القرآنية “فألهمَها” تنطوي على ما يتعارض مع جوهرِ الرسالةِ القرآنِية المتمثل في أنَّ اللهَ قد اختصَّ أنبياءَه ومُرسَليه وحدهم بالوحي من عنده.
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ المعنى القرآني لـ “الإلهام” هو “التعليم”. فكلمةُ “ألهمَ” في لهجاتٍ عربية قديمة تعني “علَّم”، وذلك كما يتضح من التسلسل التطوري اللساني التالي: “علَّمَ” خُفِّفت عينُها فأصبحت ألفاً، ثم أُضيف إليها حرفُ الهاء فأصبحت “ألهمَ”. وبذلك فإن المعنى القرآني للآيتَين الكريمتَين 7- 8 الشمس أعلاه بالإمكان إيجازُه كما يلي: “اللهُ هو مَن علَّمَ الإنسانَ أن هنالك طريقَين لا ثالث لهما، فلا مفر له بالتالي من أن يختارَ أحدَهما: فإما أن يتَّبعَ هَديَ الله، وإما أن يتَّخذَ إلهَه هواه. وبهذا المعنى نتدبر قولَ اللهِ تعالى في الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (35- 36 الأعراف).
2- (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة).
فالإلهامُ الإلهي قائمٌ على أساسٍ من تعليمِ اللهِ تعالى لآدمَ وزوجِه السبيلَ إليه؛ ولذلك فهو لا علاقةَ له بما يتوهمه البعض، وفقاً لتفسيرٍ غيرِ موفَّق، لكلمةِ “فألهمَها” في الآيتَين الكريمتين 7-8 الشمس أعلاه.
