
أين توجد ثغرات منهجية وافتراضات مسبقة وقفزات تفسيرية في بناء السردية التأثيلية للمدرسة اللغوية الهندو-أوروبية؟ تقتضي الإجابة على هذا السؤال التشديد على أن هنالك أربعة مشكلات منهجية تعتور المقاربة التأثيلية للمدرسة الهندو-أوروبية:
1) المشكلة المنهجية الأولى:
افتراض وحدة أصل هندو-أوروبي قبل وجود الدليل
فالمدرسة الهندو-أوروبية تبني تفسيرها على افتراض أن هناك لغة أم مفترضة انتشرت إلى أوروبا والهند ثم تفرعت إلى اليونانية، اللاتينية، الجرمانية، الكلتية، السنسكريتية، إلى آخره. أين تكمن المشكلة هنا: لا يوجد نص واحد مكتوب لتلك اللغة الأم. ولا يوجد دليل آثاري يثبت وجود جماعة بشرية تتكلمها. كما وأنها لغةٌ مُعاد بناؤها نظرياً reconstructed اعتماداً على التشابه فقط. أي أنها فرضية وليست حقيقة تاريخية. ومع ذلك، فإنه يجري التعامل معها كما لو أنها كانت حقيقة أنثروبولوجية قطعية. وهذا يجعل مسار التأثيل الهندو-أوروبي تفسيراً دائرياً؛ إذ أنه يفترض الأصل ثم يستدل على الأصل بما افترضه أصلاً.
2) المشكلة المنهجية الثانية:
توسيع الجذر الهندو-أوروبي الأولي PIE بشكل يسمح له أن يعني أي شيء تقريباً. لنأخذ مثالاً على ذلك التأثيل الهندو-أوروبي للكلمة الإنكليزية meadow:
الجذر الهندو-أوروبي المعطى: meh₂- أو med- بمعنى: “يقطع / يحصد / يعطي / يوفر / ينمو / يرعى / يتغذى”.
لاحظ أن المعنى واسع جداً؛ إذ لا توجد حدود دلالية تضبطه. فأيُ كلمةٍ تتعلق بالعشب أو القص أو النمو أو الرعي يمكن إرجاعها له. وهذا ليس تأثيلاً بل إعادة تفصيل المعنى ليناسب الكلمة. إنه بالضبط ما يسميه علم المنهج: التحديث Retrofitting؛ أي إعادة تفسير الأصل بما يناسب النتيجة.
في المقابل، اللغة العربية تملك جذوراً صارمة الدلالة بحيث يمكن تتبع التحول في المعنى خطوة بخطوة دون مدٍّ أو ترخية.
3) المشكلة المنهجية الثالثة:
الاعتماد على تشابهات صوتية مفتوحة دون معايير ضبط. لنأخذ مثالاً على ذلك التأثيل الهندو-أوروبي للكلمة الإنجليزية Hedge ← hagaz ← PIE kagh-
هذا الجذر PIE لا يوجد له مقابل أثري أو نصي وقد أعطي معنى “يحيط” لأنه يناسب الكلمة فقط. أي أن الكلمة وُجدت أولاً ثم اخترع لها جذر يفسرها.
بينما في العربية: حد/حاجز / حَجْر / حجاز. كلها من جذر واحد حي بالإمكان تتبع انشقاقاته صوتياً ودلالياً بشكل طبيعي.
بمعنى آخر، في المقاربة الهندو-أوروبية فإن الجذر يُصنع من أجل الكلمة.
أما في العربية، فإن الكلمة تنبثق من الجذر. فالفرق إذاً منهجي وجذري.
4) المشكلة المنهجية الرابعة:
تجاهل ممنهج للتقاطع العربي–الجرماني في المراحل المشتركة. فالمدرسة الهندو-أوروبية تستبعد تماماً أن تكون اللغة العربية ومجموعة اللغات الجرمانية قد تبادلت جذوراً خلال:
• التواصل التجاري
• الاحتكاك البحري
• الهجرات الصحراوية الشرقية نحو الأناضول والبلقان
• الفترة المشتركة في الهلال الخصيب قبل الانفصال اللغوي.
بينما الأدلة التاريخية والأركيولوجية تشير إلى الحقائق التالية: الفينيقيون وصلوا إلى بريطانيا، والكنعانيون أبحروا الى أبعد من الأطلسي، والأمازيغ والعرب والجرمان كانوا على خطوط تجارة مشتركة.
ومع ذلك، فإننا نجد ان النموذج الهندو-أوروبي يفترض العزلة المطلقة بين اللغتين، وهذا افتراض غير تاريخي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقاربة الهندو-أوروبية لهاتين الكلماتين الإنجليزيتين غير محايدة وذلك لأنها تُقصي الاصل العربي مسبقاً، كما وأنها غير برهانية وذلك لأن “لغتها الأم” المفترضة غير موثقة. وكذلك فإنها غير مضبوطة دلالياً لأن جذورها مرنة لدرجة المطاطية. وكذلك فإنها تفسيرية أكثر مما هي استدلالية. وبالتالي فإنها تصلح كـ نموذج وصف لغوي، ولكنها لا تصلح كمنهج إثبات تاريخي للأصول.
