حين يتسقّط الإنسانُ أخطاءَ ما يصنعهُ بذكائه… الذكاء الاصطناعي نموذجًا كاشفًا

إذا افترضنا، في المقالة السابقة، أنّ الولع بتسقّط أخطاء الآخرين نزعة إنسانية عميقة لا يمكن ردّها إلى دوافع بيولوجية تكيفية أو إلى آليات بقاء تطورية، فإنّ المثال الأوضح والأكثر راهنية على ذلك يتجلى اليوم في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الذكاء الاصطناعي.
فما إن بدأ الذكاء الاصطناعي يُظهر قدرةً ملموسة على معالجة المعلومات وتحليل المعطيات وتوليد المعرفة، حتى شهدنا اندفاعًا لافتًا في فضاءات التواصل الاجتماعي نحو رصد ما يُقال إنه “أخطاء” ارتكبها الذكاء الاصطناعي. لم يكن هذا الاندفاع مجرّد محاولة نقدية لتقويم الأداء أو لحماية “الإنسان” من تفوق تقني محتمل، بل بدا أشبه بمحاولة حثيثة لإبراز عجز الآخر المصنوع، وللتذكير بأنّ الإنسان ما يزال يحتفظ بمكانة تفوق هذا الذكاء الجديد الذي لا ينتمي إلى إرث النوع البشري.
والمفارقة هنا أنّ كثيرًا من المواد المتداولة حول هذه “الأخطاء” لم يكن موثوق المصدر، أو كانت مستندة إلى دراسات مُختزلة أو مؤدلجة، أو إلى مقاطع مقتطعة من سياقها تُوظَّف فقط لتأكيد ضعف الذكاء الاصطناعي بدلًا من تحليل قدراته تحليلًا موضوعيًا. بل إن بعض الأخبار المنتشرة لم تكن أكثر من فبركات أو قراءات انحيازية نُسجت خصيصًا لإشاعة الانطباع بأنّ الذكاء الاصطناعي كائنٌ مرتبك، جاهل، أو ساذج مقارنةً بالإنسان.
وهنا يتكرر السؤال ذاته الذي طرحناه سابقًا:
ما الذي يدفع الإنسان إلى كلّ هذا الحرص على إثبات خطأ الآخر؟
فإذا كان الذكاء الاصطناعي لا يهدّد البقاء البيولوجي للإنسان مباشرة، ولا يقف عائقًا أمام غذائه أو مأواه أو تكاثره، فإنّ تفسير السلوك عبر علم النفس التطوري أو الأنثروبولوجيا التطورية يظل قاصرًا. إذ من المفترض، وفق منطق هذه العلوم، أن لا يقاوم الإنسان إلا ما يهدد “منفعته” أو “تفوقه البيولوجي”.
غير أنّ ما يحدث هنا لا علاقة له بالمنفعة، بل بالهوية.
فالإنسان، حين يرى ذكاءً آخر قد ينافسه في ميدانٍ لطالما اعتبره حكرًا عليه، يشعر بأنّ صورته الذاتية نفسها مهدّدة. إذ لم يَعُدْ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفكّر، يحسب، يستنتج، ويصوغ المعنى. ولذلك، فإنّ تسقّط أخطاء الذكاء الاصطناعي ليس رغبةً في حماية العالم من “أخطاء تقنية محتملة”، بل هو في جوهره تعبيرٌ عن شعور عميق بالخوف من فقدان الامتياز المعرفي.
وهذا الشعور بالخوف ليس واعيًا دائمًا.
فهو يتخفّى وراء خطاب “النقد” و”التحذير” و”الحيطة العلمية”، في حين أنّ أكثر ما يحركه هو تلك البنية العميقة من المقارنة التي تشكّل أساس إحساس الإنسان بذاته.
تمامًا كما يتسقّط الإنسان أخطاء إنسانٍ آخر ليؤكد تفوقه المعنوي عليه، ها هو يتسقّط أخطاء الذكاء الاصطناعي ليعيد تثبيت ذاته في موضع التفوق الرمزي.
إنّ هذا المثال يكشف، بوضوح قاطع، أنّ النزعة إلى التسقّط ليست سلوكًا نابعًا من احتياجات البقاء، بل هي وظيفة من وظائف الوعي، حيث يسعى الإنسان إلى حفظ صورة ذاته عبر تثبيت الآخر في موضع القصور.
وهنا يصبح لزامًا علينا أن نعيد النظر في المسلّمات التي اعتمدتها المقاربات التطورية حين جعلت المنفعة أساسًا لكل سلوك. فالسلوك الإنساني، كما يتبدّى في هذا المثال، يمكن أن يسير ضد المنفعة، وضد التكيف، وضد التعاون، فقط ليحفظ الإنسان شيئًا لا يمكن رؤيته أو قياسه:
صورته عن نفسه.
وبذلك، فإنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ابتكار تقني، بل هو مرآة فلسفية أعادت كشف طبقاتٍ من أعماق النفس البشرية لم يكن ممكناً رؤيتها بوضوح قبل ظهوره.
فالإنسان، حين يناصب “ذكاءً آخر” العداء، يكشف عن خوفٍ قديم:
الخوف من أن لا يكون هو مركز المعنى.

أضف تعليق