
في التاسع من نوفمبر 1989 انهار جدار برلين، ذلك الجدار الذي ظلَّ على مدى ثمانية وعشرين عاماً رمزاً مكثّفاً للانقسام الكلي الذي عرفه النظام الدولي في حقبة الحرب الباردة. وقد استقبلت المجتمعات الأوروبية آنذاك ذلك الحدث بوصفه إعلاناً لنهاية عصرٍ كان يُخيّم عليه شبح المواجهة النووية، ويُلقي بظلاله على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في القارة بأسرها. كان سقوط الجدار يُنظر إليه، في المخيال السياسي الغربي، بوصفه بداية “سلام عالمي جديد” وانتصاراً نهائياً للنموذج الليبرالي.
غير أنّ مرور ما يقارب الأربعين عاماً على هذه اللحظة التاريخية يدعو إلى إعادة طرح سؤالٍ مركزي: هل انتهت الحرب الباردة فعلاً؟ أم أنّها أعادت إنتاج ذاتها في أشكال جديدة، أقل مادية وأكثر تقنية ورمزية؟
لعلّ ما يُرجّح الاحتمال الثاني هو أن الحرب الباردة لم تكن مجرّد صراع عسكري أو نووي محتمل، بل كانت نظاماً عالمياً كاملاً يقوم على ثنائية: الردع العسكري من جهة، وإنتاج صورة العدو من جهة أخرى. ومع سقوط الجدار، لم تتوقف هذه الثنائية عن العمل، بل تحوّلت من بنى مادية واضحة إلى منظومات أمنية واستراتيجية أكثر اتساعاً وتجريداً.
فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي واندماج أوروبا الشرقية في المجال الأطلسي، اتجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى التوسع شرقاً منذ عام 1999، مروراً بموجات لاحقة في 2004 و2009، بحيث أصبحت حدوده تلامس المجال الحيوي الروسي نفسه. وقد صاحب هذا التوسع تطوير منظومات دفاع صاروخي، وعسكرة الفضاء السيبراني، وتعزيز منظومات الاستخبارات والمراقبة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، لم تعد الجدران تُبنى من الخرسانة والحديد، بل من المسيّرات، والمجسّات الرادارية، وشبكات الأقمار الصناعية، وأنظمة الإنذار المبكر.
إن الدعوات المتكررة في أوروبا الغربية اليوم إلى إقامة “شبكات دفاعية للمسيّرات” على حدود المجال الروسي، بحجة مواجهة “الخطر القادم من الشرق”، تعكس استمرار البنية الذهنية نفسها التي حكمت منطق الحرب الباردة. فما زال “العدو” في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي يُعرَّف بالكيفية ذاتها، وما زالت “التهديدات الوجودية” تُنسب إلى المصدر نفسه، حتى في غياب أدلة استراتيجية مباشرة.
وبذلك يمكن القول إنّ سقوط جدار برلين لم يُنهِ الحرب الباردة، بل نزع عنها شكلها القديم وأعاد صياغة أدواتها. فقد انتقلنا من جدار مرئي يقطع مدينة إلى جدار غير مرئي يطوّق فضاءً جيوسياسياً بأكمله. وما تغيّر ليس منطق الصراع ذاته، بل شكله وتجلياته ووسائله.
إنّ الحرب الباردة لم تضع أوزارها، بل أعادت تعريف نفسها.
