
إن تشخيص ظاهرة الضعف الإنساني من المنظور القرآني ينطلق من قاعدة تأسيسية لا تقبل الجدل أو التأويل التجريبي، وهي أن الضعف ليس عارضاً أو نتيجة اضطراب، بل هو خاصية جوهرية وسمة وجودية متأصلة في أصل الخِلقة. لقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة بشكل قاطع ومباشر في قوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
وفقاً للسردية القرآنية، لا يُنظر إلى الضعف الإنساني على أنه نتاج عطب مكتسب أو خلل عارض، بل هو جزء من تصميم الخالق في طبيعة هذا الكائن:
• أصل الضعف: الضعف صفة خَلْقية (Creationary). الإنسان ضعيف لأنه خُلِقَ كذلك، وهذا يختلف جذرياً عن أي تشخيص يجعله نتاجاً لـ”الخطيئة الأصلية” أو “الفشل المعرفي”. إنه الضعف أمام حمل الأمانة الإلهية، والضعف أمام تقلبات النفس.
• التمايز البشري: هذه الخاصية تُميِّز الإنسان عن الكائنات الأخرى. فالملائكة يتمتعون بقوة العزيمة والانقياد المطلق، والحيوانات لا تُكَلَّف بما يقتضي المجاهدة الروحية. أما الإنسان، فهو مُزَوَّد بقوة العقل والإرادة، لكنه محاط بـالضعف الجِبِلّي ليكون ذلك أساساً للاختبار والثواب.
• نفي العطب السايكولوجي أو السوسيولوجي: بناءً على هذا التشخيص الخَلْقي، فإن محاولة اختزال الضعف إلى عطب سايكولوجي (اضطرابات نفسية) أو اضطراب سوسيولوجي (نتاج ظلم أو قهر اجتماعي) تُعتبر مقاربة قاصرة. هذه الظواهر هي في حقيقة الأمر تَجَلِّيات خارجية للضعف الأصلي وليست أصولاً له. الإنسان يظلم ويضطرب نفسياً لأنه ضعيف خَلْقياً أمام شهواته ووساوسه، وليس العكس.
يتجلى هذا الضعف الخَلْقي في نصوص القرآن الكريم في مظاهر متعددة، كلها تعكس قصور الإنسان المطلق أمام قوة الخالق. إن حكمة هذا الضعف هي دفع الإنسان إلى الافتقار إلى الله والاعتراف بحاجته إلى الهداية والقوة الإلهية، وهو ما يُحقق معنى العبودية.
إذا كان الضعف خَلْقياً، فلا يمكن أن ينفع معه علاج دنيوي أو أدوية مادية كحل نهائي. فكيف يمكن للإنسان أن يبرأ من تداعيات هذا الضعف؟
البرء من تداعيات الضعف، والمقصود به هنا التغلب على آثاره السلبية على السلوك الروحي والأخلاقي، لا يتم إلا عبر العلاج الذي فصله وبيَّنه القرآن الكريم:
• الاستعانة بالقوة المطلقة: العلاج الناجع الوحيد هو الارتباط بالقوة الإلهية التي لا يلحقها ضعف. هذا الارتباط يتمثل في العبادة والدعاء والتوكل. فالقرآن يوجه الإنسان إلى الاعتراف بضعفه ليلجأ إلى مصدر القوة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].
• المنهج الإلهي للتقويم: إن أحكام القرآن الكريم والتشريعات الإلهية هي بمثابة الدواء الذي يضبط مسار هذا الكائن الضعيف، حيث تهدف إلى:
• تقوية الإرادة عبر التكليف والجهاد.
• تطهير النفس عبر العبادات (الصلاة، الصوم).
• تنظيم المجتمع بما يحمي الضعيف من طغيان القوي (الذي هو ضعف في ذاته).
بهذا المنهج، لا يسعى الإنسان إلى إزالة الضعف (لأنه صفة خَلْقية)، بل يسعى إلى إدارة الضعف وتوجيهه نحو الخير، معتمداً على هداية القرآن الكريم، ليتحول الضعف من مصدر للانحراف إلى حافز للاستقامة.
إن الضعف الإنساني، كما تقرره الآية {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}، خاصية بشرية موضوعية بامتياز، تقتضي الاعتراف بالافتقار إلى الله، وتفرض أن يكون المنهج القرآني هو الإطار الوحيد للتشخيص والتعامل الناجح مع تداعياته.
