
إن محاولات التوفيق بين آيات القرآن الكريم التي تصف أحداث ما قبل يوم القيامة، مثل انشقاق السماء، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، وبين قوانين الفيزياء وعلم الفلك المعاصرة، هي محاولات تثير جدلاً واسعاً، خاصة في سياق ما يُعرف بـ “الإعجاز العلمي”. ورغم النوايا الحسنة للمفسرين الذين يسعون لإظهار عظمة النص القرآني، فإن هذا المسعى يرتطم بحاجز منهجي وعقائدي يجب التوقف عنده.
يكمن التناقض الأساسي في الإطار الزمني للأحداث:
• وفقاً للفيزياء الفلكية المعاصرة: يتفق العلماء على أن مصير الكون، بما في ذلك موت النجوم وزوال المجرات، هو عملية تخضع لقوانين السببية وتتطلب فترات زمنية هائلة تُقدر بمليارات السنين. فزوال الأجرام السماوية هو سلسلة من الأحداث المتصلة التي تحدث على مراحل زمنية طويلة جداً. القوانين الفيزيائية (كالجاذبية والترموديناميكا) تفرض هذا التسلسل البطيء والمحكم.
• وفقاً للنص القرآني وآلية “كن فيكون”: تصف الآيات الكريمة أحداثاً كونية هائلة تقع في سياق يتجاوز النظام السببي المتعارف عليه. يتم التأكيد على السرعة والآنية المطلقة لهذه التحولات، والتي لا تتفق مع أي عملية فيزيائية تحتاج إلى “ملايين السنين”. الآلية القرآنية لهذه التحولات الكبرى هي أمر الله للوجود بـ “كن فيكون” (أي “كائن فوراً”). هذا التعبير القرآني لا يصف عملية فيزيائية، بل يصف خلقاً جديداً آنياً (زمنه صفر)، يزيل السماوات والأرض القائمة ويخلق أخرى جديدة بلمح البصر.
النظام الكوني الذي يدرسه العلم – بدءاً من حركة الكوكب وانتهاءً بتحلل الذرة – هو نظام سببي يحكمه الزمان والمكان. أي حدث في هذا الكون يحتاج إلى سبب ونتيجة، وهذه العلاقة تستغرق زمناً (قد يكون قصيراً جداً، لكنه ليس صفراً).
إن محاولة تفسير أحداث ما قبل القيامة بقوانين هذا النظام (الجاذبية، قوانين الانفجار النجمي، إلخ) هي محاولة غير موفقة لأنها تفترض أن الخالق سيخضع لإرادته الكونية الختامية لنفس القوانين التي وضعها لحياة الكون وتطوره.
آلية “كن فيكون” هي مظهر من مظاهر القدرة الإلهية المطلقة التي تعمل خارج نطاق النظام السببي (Causal System) الذي يحكم الكون المادي. هي لحظة إيقاف لقوانين الفيزياء وعلم الفلك التي نعرفها واستبدالها بإرادة الإيجاد المطلقة.
• العلم البشري محصور في فهم وتحليل النظام السببي.
• لحظية “كن فيكون” هي غياب كامل للزمن المقاس الذي هو ركيزة للقوانين الفيزيائية.
العلة الجوهرية لوجوب الإقلاع عن هذا التفسير هي الفصل المنهجي بين عالم الشهادة وعالم الغيب.
إن آيات القيامة تندرج ضمن قضايا الغيب الكبرى التي أخبرنا عنها الخالق لتحقيق الإيمان بها. هذه الأحداث ليست امتداداً لقوانين الطبيعة، بل هي نهاية سلطة تلك القوانين وبداية واقع جديد. إن إقحام القوانين الفيزيائية التي تتطلب ملايين السنين في سياق “كن فيكون” هو:
• تناقض مع النص القرآني: حيث يفرغ النص من دلالته على القدرة المطلقة الفورية.
• حصر لقدرة الخالق: محاولة وضع قدرة الخالق في إطار القوانين التي خلقها هو، بدلاً من إدراك أن تلك القوانين تنتهي صلاحيتها عند مشيئة “كن فيكون”.
يتبين لنا، وبتدبر ما سبق، لا يمكن للفيزياء ولا الفلك تقديم تفسير لأحداث تقع خارج نطاق الزمان والسببية التي تحكم دراساتهما. إن القوانين الكونية التي وضعها الله هي آلية لإدارة الحياة الدنيا، أما نهاية هذه الحياة وبداية الأخرى فهي آلية للتغيير الجذري والآني لا تخضع لأي تسلسل زمني أو سببي يمكن للعلم البشري أن يحيط به. على المفسرين المعاصرين أن يدركوا أن آيات القيامة تدعو إلى الإيمان بالقدرة المطلقة، لا إلى محاولة عقلنة المعجزة ضمن إطار قوانين مخلوقة ومحدودة.
