
تُعدّ العبارة الإغريقية الشهيرة “اعرف نفسك” واحدة من أكثر العبارات حضورًا في تاريخ الفكر الإنساني، غير أنها — بالرغم من شهرتها — واحدة من أكثر الشعارات التوجيهية غموضًا وإيهامًا بالمعنى. فهي، من جهة، تنطوي على وعد كبير: أن معرفة الذات هي مفتاح كل معرفة لاحقة. لكنها، من جهة أخرى، تخلو من أي منهاج عملي أو برنامج تطبيقي يضمن لمن يعتنقها أن يصل فعلًا إلى معرفة نفسه. وهنا يتجلّى الإشكال: كيف يمكن لنداء بهذا العمق أن يخلو من خارطة طريق؟
ولعل هذا الغموض مقصودٌ بذاته؛ فالشعار يمتحن صدق مَن يردده، ويميّز بين المثقف الجامع للثمار وبين الباحث الحقّ الذي يبذر ويزرع ويسقي حتى تنبت المعرفة.
بين “المثقف الصيّاد” و”الباحث المزارع”
لا يختلف حال من يكتفي بترديد «اعرف نفسك» دون عمل عن حال الصيّاد القديم الذي كان ينتظر ما تجود به الطبيعة، يلتقط الثمار ويتسلّق الأشجار بحثًا عن ما هو موجود أصلًا. ذلك هو «المثقف» الذي يعيش على أفكار جاهزة، يلتقطها ولا ينتجها، ويجني من الثقافة ما يشبه ثمار الغابة.
أما الباحث عن الحقيقة، فهو الفلاح المزارع:
لا ينتظر ثمارًا جاهزة، بل يحرث الأرض، يزرع البذور، يترقب، يعاني، يراقب، ويتدرّب على الصبر قبل الحصاد.
وهذه الصورة أقرب إلى الرحلة الحقيقية لمعرفة النفس؛ فهي ليست عملية «اكتشاف» لما هو موجود مسبقًا، بل عملية «تشكيل» و«إعداد» و«بناء» تقوم على الفعل والمجاهدة.
ولهذا فإن السؤال المنطقي الذي يلي الإيمان بعبارة «اعرف نفسك» هو:
«وماذا ينبغي عليّ أن أفعل الآن؟»
الشرط الأول للمعرفة هو العمل قبل التأمل
الشعار وحده لا يكفي. المعرفة لا تُمنح هكذا بلا ثمن، ولا تُنال بتأملات صامتة أو شعور غامض بالوعي.
إنها — كما تظهر في سِيَر الباحثين عن الحقيقة — مشروطة ببدء رحلة فعلية:
رحلة يقوم فيها المرء بأفعال معينة، ويمتنع عن أفعال أخرى، ويبقى يقظًا لما يظهر في نفسه وفي العالم من إشارات ودروس.
ولا يبدأ الطريق إلا بخطوة واحدة جوهرية:
القرار.
فالقرار الإرادي هو الشرارة التي يتقاطع عندها مسار الساعي ومسار القدر، فينشأ من التقاطع ما يشبه «تدبيرًا» يفتح أبواب المعرفة لمن صدقت نيته واستقامت عزيمته.
إرادة الباحث و”خطة القدر”
ليس الأمر خيالًا ولا إسقاطًا صوفيًا، بل حقيقة تتكرر في سير الفلاسفة والمتصوفة والأنبياء والمصلحين والباحثين الجادين.
كل من أخذ نفسه بجدّية في طريق المعرفة وجد أن العالم — على نحو ما — يتجاوب مع صدقه.
تظهر له الكتب المناسبة، والأحداث المناسبة، والأشخاص المناسبون، والاختبارات التي كان بحاجة إليها.
ولأن خطة القدر لا تعدِم وسيلة، فإنها تُهيّئ للباحث الصادق ما يكمّل رحلته، حتى لو ظنّ في البداية أنها مصاعب أو عوائق.
فالباحث عن الحقيقة يشبه العاشق في شدّة اندفاعه: لا يوفّر جهدًا ولا وقتًا ولا مالًا إن كان ذلك يقربه من محبوبه — والحقيقة هنا هي محبوبه الأعظم.
“واحدية النفس” الشرط الأعلى لمعرفة الذات
إن أعمق ما ينكشف للباحث في منتصف الطريق — قبل أن يبلغ نهايته — هو إدراكه بأن البشر كلهم جميعًا ليسوا إلا تجليات لصراع واحد، نفس واحدة، جوهر مشترك.
فمن يسعى لمعرفة نفسه لا يلبث أن يكتشف أن:
• رغباته هي رغبات الآخرين،
• همزاته هي همزاتهم،
• تناقضاته هي تناقضاتهم،
• وجروحه هي جروحهم،
• وصراعه مع نفسه هو ذاته صراع البشرية منذ آدم.
وهنا يتحول العالم كلّه إلى مرآة، ويغدو كل شخص يلتقيه جزءًا من الدرس، وأحيانًا امتدادًا لما في داخله هو.
عند هذه النقطة يفهم الباحث أن الناس لا يختلفون إلا بقدر ما اختلفت إرادتهم في مواجهة أنفسهم؛ فالذي هزمه ضعفه هو نسخة من احتمال كان يمكن أن يكونه الباحث نفسه، لولا ما اتخذه من قرارات.
ما الذي ينبغي فعله؟ نحو منهاج عملي لمعرفة النفس
لا تقول العبارة القديمة شيئًا عن الطريق. ولكن الطريق — كما تكشفه التجارب — يقوم على أربع خطوات كبرى:
1. المراقبة الصارمة للنفس
أن يراقب المرء رغباته، انفعالاته، دوافعه، هزّاته، خفاياه، دون تزيين ولا أعذار.
هذه هي «الزراعة الأولى».
2. الامتناع الإرادي
أن يمتنع عن فعل ما يعرف أنه ضعفٌ في داخله، ولو مرة واحدة يوميًا.
هذا هو «تقليم التربة».
3. الفعل المضاد
أن يقوم بفعل واحد يوميًا يناقض هوى النفس.
هذا هو «بذر البذرة».
4. الاتساع في رؤية البشر
أن ينظر إلى كل من يلتقيه بوصفه مرآةً له، لا خصمًا خارجيًا.
هذه هي «رعاية النبات».
وعندما يمضي وقت كافٍ، يبدأ النبات بالنمو، وتنقشع الغشاوة، ويظهر ما كان مخفيًا:
الذات الحقيقية.
«اعرف نفسك» ليست عبارة للتأمل ولا شعارًا للحفلات الثقافية؛ إنها مشروع وجودي كامل لا يتحقق إلا لمن صار فلاحًا، لا صيّادًا.
من بذل نفسه في البحث عن الحقيقة عرفها، ومن عرفها عرف أن الناس جميعًا — مهما اختلفوا — تجلّيات لصراع واحد وإرادة واحدة ونفس واحدة.
وأن الطريق لا يفتح بفضل الذكاء ولا الثقافة ولا القراءة، بل بفضل إرادة الباحث حين تتقاطع مع خطة القدر، فتتهيأ له أبواب لم يكن يتخيل وجودها.
هذه هي «خارطة الطريق» التي كان ينبغي أن ترافق العبارة القديمة؛
أما الآن فقد أمكن ردّ الشعار إلى منهجه، وصار للباحث الحقيقي ما يبدأ به رحلته من دون غموض.
