القرآن ومنهاج الإحسان… التطابق العجيب مع خارطة “اعرف نفسك”

بعد أن بيّنت المقالة السابقة أن العبارة الشهيرة «اعرف نفسك» لا يمكن أن تُدرَك إلا كـ«مشروع عملي» يتطلب منهجًا منضبطًا، بدا واضحًا أن طريق معرفة النفس ليس مجرد شعار للتأمل، بل برنامج من أربع مراحل كبرى:
مراقبة النفس، الامتناع الإرادي، الفعل المضاد، ورؤية الناس بوصفهم مرايا للنفس الواحدة.
وما يبعث على الدهشة — بل على الرهبة — هو أن القرآن قد سبق الفلسفات كلّها في وضع هذا المنهج العملي، وقد سماه اسمًا جامعًا: الإحسان.
فالإحسان في القرآن ليس حالة وجدانية شفافة، ولا مقامًا صوفيًّا مجردًا، بل خطة عملية لمجاهدة النفس ترمي إلى كشف حقيقتها، وردّها إلى فطرتها الأولى.
الإحسان… الاسم القرآني لمشروع معرفة النفس
يعرِّف القرآن النفس بأنها أشد الأعداء خفاءً ومكرًا؛ نفسٌ أمارة بالسوء، لو تُركت وشأنها تسلّطت على الإنسان، ولونت له هواه حتى يظن أنه يعرف نفسه بينما هو أسير أوهامه.
ومن هنا، فإن أول خطوة في القرآن ليست «المعرفة»، بل «العمل»؛
فالعمل هو الذي يفتح باب المعرفة، لا العكس.
ولهذا ربط القرآن الإحسان — وهو أعلى الدرجات — بما يقوم به الإنسان من أفعال واعية، مقصودة، متكررة، منضبطة؛
أفعال تجعل النفس مكشوفة، وتستخرج منها ما تخبئه، حتى تتعرّى أمام صاحبها.
الإحسان، بهذا المعنى، ليس حالة وجدانية، بل منهج «عملي» دقيق، هو ذاته الذي انتهت إليه خارطة «اعرف نفسك».
المرحلة الأولى — المراقبة الصارمة للنفس (المراقبة القرآنية)
تبدأ خارطة «اعرف نفسك» بمراقبة النفس دون تجميل.
وفي القرآن، تتجلى هذه المرحلة في مفهوم الرقابة الإلهية المستمرة:
«إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ»
«وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا»
«بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ»
المقصود أن الإنسان يصبح «بصيرًا» بنفسه عندما يخضعها للمراقبة.
هذه المراقبة ليست تأملًا سلبيًا، بل انتباهًا يقظًا: أن يرى دوافعه قبل أن تراوده، وأن يلاحظ همزاته قبل أن تتحول فعلًا.
وهذا عين ما تفرضه المرحلة الأولى في المنهج الفلسفي.
المرحلة الثانية — الامتناع الإرادي (الصيام نموذجًا)
في المقالة السابقة، طُرِح الامتناع الإرادي كخطوة جوهرية:
أن يمتنع الإنسان، ولو مرة يوميًا، عن ضعف يعلمه في نفسه.
والقرآن جعل هذا الامتناع «فرضًا» دوريًّا:
الصيام.
ليس الصيام امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناع عن الهوى، والغضب، والسخط، واللسان، والنظر، والكِبر.
وكان الهدف معلنًا:
«لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» — أي تكتشفون أنفسكم، لا مجرد تحصيل ثواب.
فالامتناع يوقظ الإنسان على حقيقة نفسه أكثر من أي وعظ؛ لأنه يجعله يرى شهواته عند الحرمان، وطباعه حين يُحجز عنها.
وهذا هو ذات المبدأ الذي سبق طرحه في المنهج السابق.
المرحلة الثالثة — الفعل المضاد (الإحسان العملي)
في الخارطة الفلسفية، كان المطلوب من الباحث أن يقوم يوميًا بفعل مضاد لهواه.
وفي القرآن، هذا الفعل هو قلب الإحسان ذاته:
«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
«ادْفَعْ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
«وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ»
«وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ»
أي أن الفعل المضاد لهوى النفس ليس مجرد تدريب أخلاقي، بل هو الآلية التي تفتح باب المعرفة.
عندما يكظم الإنسان غيظه، يرى صورة نفسه قبل وبعد الكظم.
وعندما يعفو، يرى كيف كانت نفسه على وشك أن تنتقم.
وعندما يرد السيئة بالحسنة، يرى أعمق ما فيها من رغبات للسيطرة.
وهذا يكشف النفس كشفًا لا تقدر عليه أي محاضرة أو قراءة.
المرحلة الرابعة — رؤية الناس بوصفهم مرايا للنفس الواحدة
انتهت المقالة السابقة إلى أن البشر تجليات لنفس واحدة؛
وأن الباحث عن الحقيقة يرى في كل إنسان مرآة تكشف جانبًا من نفسه.
والقرآن يقرر الأمر ذاته بحسم:
«وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ»
أي لا تعيبوا بعضكم… لأنكم «أنفسكم».
«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»
بالسوء نفسه عند الجميع.
«إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً»
أي أن الأصل واحد، وأن التباين في الإرادة لا في الجوهر.
بهذا المعنى، كل من نلقاهم هم تجليات لحقيقة واحدة:
نسخة محتملة من أنفسنا لو مررنا بما مروا به، وامتلكنا مقدار إرادتهم.
وهكذا تتطابق الخارطة الفلسفية مع المنهج القرآني تطابقًا مهيبًا.
الإحسان بوصفه «برنامج معرفة النفس»
إذا جمعنا الخطوات الأربع — المراقبة، الامتناع، الفعل المضاد، ورؤية النفس الواحدة — نجد أن القرآن سمّى هذا كله الإحسان:
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»
«وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»
وما الإحسان إلا:
• وعي لحظي فائق (المراقبة)،
• انضباط إرادي (الامتناع)،
• عمل مضاد للهوى (دفع السيئة بالحسنة)،
• اتساع في رؤية الآخرين (عدم لمز النفس).
وبهذا يصبح القرآن ليس كتاب عقائد فحسب، بل كتاب منهج لتفكيك النفس ومعرفتها — أي تحقيق الشعار القديم «اعرف نفسك» بأوضح صورة يمكن تخيلها.
ما كان للفلسفة وحدها أن تكشف تفاصيل الطريق، فجاء القرآن ليحوّل الشعار المبهَم إلى منهاج تفصيلي.
والعجيب أن المنهج الذي انتهت إليه الخبرات الإنسانية — عبر آلاف السنين — هو ذاته المنهج القرآني:
منهج الإحسان، الذي يجعل العمل سابقًا على المعرفة، والمجاهدة طريقًا للرؤية، وكبح الهوى سبيلًا لكشف حقيقته، ورؤية البشر مرايا للنفس الواحدة شرطًا لفهمها.
وبهذا يتبين أن القرآن ليس فقط داعيًا إلى «معرفة النفس»، بل واضعًا للخطة العملية، التفصيلية، الواقعية، التي تمكّن الباحث عن الحقيقة من معرفة نفسه المعرفة الحقة؛ تلك المعرفة التي لا تتأتى بغير الإحسان.

أضف تعليق