النفسُ الإنسانيةُ واحدة وكذلك رسالةُ الله واحدة

يشيع بين عددٍ من الباحثين والراغبين في قراءة التاريخ الديني للعالم رأيٌ مفاده أن الكتب الإلهية التي أنزلها الله تعالى على البشر تتمايز فيما بينها تبعاً لتمايز المراحل التطورية التي قطعها العقل الإنساني في مسيرته من البساطة إلى التعقيد. ويستند هذا الرأي إلى أنّ التعليم الإلهي جاء متدرجاً ليتوافق مع قدرة الإنسان في كل عصر على الفهم والتلقي، فكانت التوراة ـ بحسب هذا التصور ـ ملائمةً لمرحلةٍ معرفية مبكرة، بينما جاء الإنجيل خطاباً أكثر قدرة على استيعاب العقل في زمن امتزجت فيه ثقافات اليونان والرومان، ثم جاء القرآن ليخاطب عقلاً بشرياً أكثر نضجاً وتراكماً معرفياً.
غير أنّ هذا الرأي، على ما يبدو من اتساقٍ ظاهري، يقوم على افتراضٍ لا يسنده النص القرآني ولا التجربة الإنسانية ذاتها. فالقرآن الكريم يقرّر بصورة جازمة وحدة الرسالة الإلهية في جوهرها، واستمراريتها عبر التاريخ دون أن يلحق بها تبدّلٌ في طبيعة الخطاب:
• (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى 18-19)
• (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) (فصلت 43)
• (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف 9)
• (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) (المائدة 48)
فالقرآن مصدّق لما سبقه، والإنجيل مصدّق للتوراة: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) (الصف 6).
يتبيّن من ذلك أن الرسالة الإلهية واحدة في مقاصدها وأسسها، وأن الاختلاف ليس في جوهر الخطاب بل في مواقع التحريف والتبديل التي لحقت بالنصوص بمرور الزمن. أمّا القول إن اختلاف الكتب جاء استجابةً لتطور العقل البشري، فهو يقوم على فرضٍ آخر يحتاج إلى مراجعة:
هل المخاطَب الأول بالوحي هو العقل أم النفس؟
من خلال النظر في طبيعة الخطاب القرآني، وفي ما يكشفه النص عن حقيقة الإنسان، يتضح أن الوحي لا يتوجه إلى العقل بوصفه جهازاً معرفياً، بل يتوجه قبل ذلك إلى النفس بوصفها ساحة الصراع الأخلاقي. فالعقل قادرٌ على التطور بالاكتساب والمعرفة والتجربة، ولكن النفس، بما هي موطن الهوى والضعف والرغبات والاندفاعات الوجدانية، ظلّت عبر التاريخ الإنساني على حالٍ واحدة.
وبرهان ذلك أن الإنسان المعاصر، رغم اتساع معارفه وتطور علومه، لا يزال يمرّ بالتجربة الوجودية نفسها التي عاشها أبناء آدم منذ أول صراع أخلاقي في التاريخ الإنساني. ففي قصة ابني آدم يتجلّى النموذج الأول للصراع الداخلي بين الرغبة والوعي الأخلاقي. وما أصاب أحدهما من اندفاعٍ نحو القتل لم يكن نتاج قصورٍ معرفي، بل نتاج ضعفٍ نفسي أمام انفعالٍ لا عقلاني. وهذا الصراع هو ذاته الذي يعتمل اليوم في نفس الإنسان مهما بلغ من العلم، والذهن، والفلسفة.
إذاً، فالاختلاف ليس في مستوى العقل بل في درجة الاستجابة النفسية.
أما الرسالة فتبقى واحدة، لأن المخاطَب واحد:
النفس البشرية الثابتة لا العقل المتغير.
من هنا يغدو القول بتمايز الكتب بتمايز العصور قصراً للرسالة الإلهية في نطاق معرفي عقلي بحت، بينما الرسالة في جوهرها موجَّهة لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية للنفس الإنسانية، وهي بوصلة لم تتغيّر منذ بدء الخليقة.

أضف تعليق