
من بين جميع مظاهر الاستعلاء البشري التي تُثقل الوعي الفردي وتشوّه بصيرته، يبرز ميلٌ عجيب يكاد يجمع عليه الناس على اختلاف ثقافاتهم: الإصرار على تبرئة الذات من الماضي، وتجميل الأخطاء، والتهرّب من الاعتراف بكونها أخطاء أصلاً. فالغالبية العظمى من البشر تُظهر استعداداً مذهلاً للدفاع عن ماضيها، حتى ذلك الماضي المليء بالعثرات والهفوات. وليس أدلّ على هذا الغلوّ في تعظيم الذات من الإجابة الشائعة التي نسمعها كلما طُرح على أحدهم السؤال التالي:
“هل هناك أخطاء ارتكبتها في حياتك، ولو عاد بك الزمن إلى الوراء، لما قمت بها؟”
تكاد تكون الإجابة واحدة، على ألسنة معظم الناس، بلهجةٍ ممزوجة بالثقة والاعتزاز:
“كلا. فلو عاد بي الزمن لما غيّرت شيئاً، لأن أخطائي هي التي صنعتني، وهي التي جعلتني أكثر حكمة.”
هذه العبارة التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها اعتراف بنضج الإنسان ونموّ خبرته ليست في حقيقتها سوى تعبيرٍ عميق عن نزعة دفينة إلى تبرئة النفس وتقديس التجربة الفردية مهما شابها من زلل.
ذلك أن المرء، بمجرّد أن يعلن رفضه لتغيير الماضي، يكون قد نسب لأخطائه معنى القداسة، وجعلها جزءاً لا ينفصل عن هويته، ثم اعتبر الاعتراف بها انتقاصاً من قيمته أو تشكيكاً بحكمته. فأيّ غرور بعد هذا؟ وأيّ إصرار على الغيّ بعد هذا؟
الغرور المتخفي تحت قناع الحكمة
تُظهر هذه الإجابة نزعة نفسية متجذرة:
الإنسان يرفض الاعتراف بأنه كان جاهلاً أو مخطئاً أو ضعيفاً في أي مرحلة من حياته، حتى وإن كان ذلك حقيقة لا جدال فيها.
فهو يفضّل أن يقدّم أخطاءه على أنها “دروس” و“هبات معرفية”، لا لأنها كذلك فعلاً، بل لأن الاعتراف بغير ذلك يوجعه ويصطدم بصورته التي رسمها لنفسه.
والأخطر من ذلك أنّ الإنسان لا يكتفي بتبرير الماضي، بل يُلبسه ثوب الضرورة، وكأنه كان الطريق الوحيد المتاح أمامه، لا طريقاً كان يمكن تفاديه لو تحلّى بالوعي أو النضج أو الاتزان.
الجواب الصحيح… ولماذا يصعب على الناس قوله؟
الحقيقة التي يتواضع أمامها العقلاء ويهابها المتكبّرون هي أنّ الإنسان، مهما بلغ من الحكمة، يظل أسيرَ أخطاءٍ يعرف في أعماقه أنه كان يتمنى لو لم يرتكبها. وأن ماضينا، لو كُشف لنا على حقيقته دون رتوش، لوجدنا فيه سلسلة طويلة من الزلات التي أثقلت أرواحنا وأرهقت مسيرتنا.
والجواب الطبيعي الصادق ينبغي أن يكون شيئاً قريباً من الآتي:
“والله، إن في ما مضى من عمري من الأخطاء المتراكمة ما لا أكاد أحصيها، ولو عاد بي الزمان لما ارتكبتُ منها شيئاً. فما كان الخطأ يوماً طريقاً لا بديل له، بل كان ضعفاً وجهلاً وسوء تقدير.”
هذا الجواب ليس مجرد تواضع لفظي؛ بل هو اعتراف عميق بأن الإنسان كائن يخطئ بطبيعته، وأن الحكمة الحقيقية لا تأتي من تمجيد الخطأ، بل من الإقرار به وتصحيحه والتوبة عنه.
وهنا يتجلّى معنى الحديث النبوي الشريف الذي يلخّص فلسفة الإنسان كلها في جملة واحدة:
«كلُّ ابنِ آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون».
لماذا نصرّ على تبرير الماضي؟
هناك ثلاث آليات نفسية تجعل الإنسان متمسكاً بماضيه حتى لو كان مخطئاً:
• آلية حماية الأنا (Ego Defense)
يعجز الكثيرون عن فصل قيمة الذات عن أفعال الماضي، فيظنون أن الاعتراف بخطأ قديم هو اعتراف بقيمة ناقصة للذات نفسها.
• الرغبة في صناعة سردية بطولية للحياة
الإنسان يحب أن يرى نفسه بطل روايته الخاصة، والبطل لا يخطئ—أو إن أخطأ، فلابد أن يتحول خطؤه إلى إنجاز.
• الخوف من الندم
إذ يرى البعض أن الاعتراف بأخطائهم سيلزمهم بمواجهة ألمٍ نفسيّ حاد، فيفضّلون دفنه داخل قصة جميلة عن “أخطائي صنعتني”.
فضيلة الاعتراف بالخطأ
تأسيسٌ للأخلاق، لا هدماً للذات. على خلاف ما يظن الكثيرون، فإن الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يعيد بناءها على أساس أكثر صلابة. فالتواضع الأخلاقي، لا الغرور المتخفي، هو الذي يمهّد لارتقاء الإنسان، ويحرره من أثقال الماضي بدلاً من تزيينها والدفاع عنها.
ولذلك فإن الإنسان الذي يقول:
“كنت مخطئاً… ولو عاد بي الزمن لما فعلت ذلك”
هو إنسان تصالح مع ذاته، وتجاوز غروره، وتحرر من وهم العصمة.
إن أكبر تجليات الاستعلاء البشري لا تكمن في الكبرياء الظاهرة، بل في ذلك الرفض المتكبر للاعتراف بأننا أخطأنا حقاً. وفي تلك الرواية التي نحكيها لأنفسنا كلما سُئلنا عن ماضينا، فنرفع الأخطاء إلى مرتبة الضرورة، ونجعل من الزلل خطوة محسوبة، ونحوّل الندم إلى بطولة.
غير أنّ الحقيقة التي لا يتهرب منها إلا المتكبرون هي هذه:
إن أعجب ما في الإنسان أنه خطّاء… وأنه قادر على أن يكون توّاباً. وما بين هذين القطبين تتحدد قيمة الإنسان كلها.
