تضخّم “الأنا الآخر”… الوجه الأكثر استعصاءً للمعضلة البشرية

تشغلُ المعضلاتُ الإنسانيةُ الكبرى حيّزاً واسعاً من الدرس الفلسفي والأنثروبولوجي، غير أنّ بعض وجوهها يظلّ عصيّاً على التشخيص الدقيق، على الرغم من حضوره الطاغي في التجربة البشرية. ولعلّ أحد أكثر هذه الوجوه شيوعاً وتعقيداً هو ذاك الكيان الخفي الذي يلازم الذات الإنسانية ملازمة الظلّ لصاحبه، والذي أقترح تسميته بـ “تضخم الأنا الآخر” أو “الأنا المُعارِضة”؛ ذلك الصوت الداخلي الذي يتربّص بالإنسان عند بوابة كل فعل، ولا سيما كلّ فعلٍ يتعارض مع ما تدعوه إليه نفسُه، أو يتصل بإرادةٍ يريد أن يمارسها على نحوٍ حرّ وواضح.
ما من إنسان إلا ويعرف، ولو لمرةٍ واحدة، تلك اللحظة الحرجة التي ينشقّ فيها صوته الداخلي إلى صوتين:
“الأنا الأصلية” التي تريد الفعل، تتحرك بدافع الحاجة أو الرغبة أو الإيمان، و”الأنا الأخرى” التي تقف على الضفة المقابلة، تستنكر وتعارض وتُقيّد وتُحذّر. ليس هذا الصوت مجرّد ضمير أخلاقي أو وازع اجتماعي، بل هو بنية أعمق وأقدم. بنيةٌ تتجاوز حدود التربية والثقافة لتتغلغل في النسيج النفسي الإنساني منذ أن وُجد.
ولئن كان من اليسير نسبُ هذا الانشطار إلى الضمير أو الأخلاق المكتسبة، إلا أنّ تتبّع جذوره يقود إلى تاريخٍ أقدم بكثير… إلى عالم الحيوان.
يمكن تتبّع جذور هذا الصوت المعارض إلى تلك الكوابح السلوكية التي تطوّرت عند الحيوان لتمنعه من الإقدام على:
أفعال متهوّرة، أو مواجهات غير محسوبة،
أو تهديدات تؤدي إلى الهلاك.
هذه الكوابح هي جزء من “معمار النجاة” الذي شكّلته الطبيعة عبر ملايين السنين. كانت وظيفة هذه الآليات بسيطة ومباشرة:
حماية الكائن من نفسه قبل الآخرين.
لكن حين انتقلنا إلى عالم الإنسان، حدث ما يشبه الانفلات التطوري لتلك الآليات. فبدلاً من البقاء ضمن نطاق الضرورات البيولوجية، تحرّرت من حدودها المادية، وبدأت تنمو نمواً مستقلاً، لتستقر داخل النفس الإنسانية بوصفها كياناً ذا صوت، وإرادة، وأحياناً طموح سيادي.
هكذا لم يعد الإنسان يملك كابحاً وظيفته النجاة فقط، بل ملك داخله أنا ثانية تطالب بحق إدارة الفعل، وتنافس الأنا الأصلية على السيادة.
لم يعد الصوت المعارض في الإنسان مجرّد تنبيه أو تحذير؛ لقد تحول إلى:
ذات فرعية، ووعي موازٍ، أنا مُضافة تحاول إعادة تشكيل السلوك وفق هواجسها هي، لا وفق ما تحتاجه الذات أو يقتضيه الموقف.
وتكمن المعضلة هنا:
إنّ هذه الأنا المضافة لا تدرك حدودها. تؤمن أنها صاحبة الحق الطبيعي في تملّك الإنسان، وأن كل قرارٍ يصدر خلاف إرادتها هو تهديد لسيادتها، فتقف له بالمرصاد.
وهذا ما يجعل الإنسان يعيش تحت وطأة صراع داخلي يكاد لا ينتهي… صراعٍ لا يمكن تفسيره بالنظريات الأخلاقية أو النفسية التقليدية وحدها.
يمكن إرجاع أصل هذا التشظّي إلى التحويلة التطورية التي تحدّثتَ عنها في مقالات سابقة؛ تلك النقطة الحرجة التي انحرف فيها التطوّر البشري عن المسار الطبيعي العام، واتخذ مساراً آخر شديد التعقيد.
في تلك اللحظة:
انفصل الإنسان عن آليات النجاة الحيوانية، لكنه لم يلغها، بل حملها معه إلى طورٍ جديد من الوعي، فكبرت داخله، وتعقّدت، وتشعّبت حتى تحولت إلى بنية نفسية كاملة. وهكذا أصبح الإنسان—على امتداد تاريخه—كائناً ذو وعيٍ ممزّق بين أنا أصلية، وأخرى معارضة.
هذا التمزق هو الثمن الذي دفعه الإنسان حين انتقل من الطبيعة إلى التاريخ، ومن الغريزة إلى الوعي.
بين هاتين الأناين تتوزع عذابات الإنسان الكبرى، في تردّدٌ مزمن بين رغبة وفكرة، وصراعٌ داخلي بين ما يريد أن يكون، وما يخشاه أن يصبح، وإحساسٌ دائم بالانقسام بين ذاتٍ تتطلع وتغامر، وأخرى تشك وتحتاط وتكبح، وتوترٌ وجودي لا يهدأ، لأنه لا ينبع من الخارج، بل من داخل تكوين الوعي نفسه.
إنّ هذا الصراع ليس مرضاً، ولا خللاً نفسياً، بل هو سمة تطورية ولّدت بنية إنسانية معقّدة تستعصي على التفسير البسيط.
يخرج الإنسان من كل هذه الرحلة الوجودية كائناً ذا:
أنا “أصيلة” تريد الحياة وتندفع نحو المستقبل، وأنا “معارضة” تعتقد أن لها حقاً في الحجر على قراراته، وفي إعادة صياغة مصيره وفق تصوّرها الخاص.
هذا الانشطار هو أحد أهم أوجه المعضلة البشرية، وهو الوجه الأكثر حضوراً وتأثيراً في كل قرار، وكل تردد، وكل لحظة صراع يعيشها الإنسان. وما لم يفهم الإنسان أصل هذا الانشطار وجذره التطوري، سيظل يفسّر صراعاته الداخلية على أنها ضعفٌ أو خطيئة أو تربية… بينما الحقيقة أنها جزء من تكوينه العميق. إنها جدلية الأنا و “الأنا الأخرى”؛ الجدلية التي تجعل الإنسان أكثر الكائنات قدرةً على الوعي، وأكثرها معاناةً منه في الوقت نفسه.

أضف تعليق