
منذ اللحظة الأولى التي واجه فيها الإنسانُ العالمَ بوصفه لغزًا يتجاوز قدرته على الفهم، تفرّعت مساراتٌ متعددة حاول عبرها تفسير الوجود. وكان من بين تلك المسارات طريقان هما الأقدم والأعمق أثرًا في التاريخ البشري: السحر و الفلسفة.
وبرغم ما يبدو على السطح من اختلافٍ جوهري بينهما، فإنّهما يشتركان — عند التفكيك العميق — في أصلٍ واحد: كلاهما نشأ من محاولةٍ بشريةٍ لتقليد ما جاء على أيدي الأنبياء من معجزةٍ ووحي.
هذه الأطروحة لا تحاول اختزال التاريخ الإنساني في معارضة تبسيطية بين الوحي والعقل أو بين الإيمان والخرافة، بل تسعى إلى اقتراح قراءة جديدة ترى أنّ السحرَ والفلسفة ظلّا يتحركان داخل فضاء محاكاة للظاهرة النبوية، من غير قدرة على إدراك البرزخ الذي يفصل بين نظام الأسباب الطبيعية و نظام الإرادة الإلهية: “كُن فيكون”.
السحر… تقليدٌ للعجائب الإلهية
ليس من الدقة النظر إلى السحر بوصفه مجرد خرافات بدائية نشأت في عقلٍ غير ناضج. فالساحرُ الأول لم يكن متلاعبًا بالعقول بقدر ما كان إنسانًا يحدّق في المعجزة ويسعى لتكرارها عبر وسائل بشرية.
لقد رأى الإنسانُ الأول:
- اليدَ التي تتحوّل عصًا إلى حيّة،
- والبحرَ الذي ينفلق،
- والقميصَ الذي يُلقي الشفاء،
- والرزقَ الذي ينزل من غير سببٍ ظاهر.
فسأل نفسه: هل يمكنني أن أُنتج الأثر ذاته بأدواتي الخاصة؟
ومن هنا نشأ السحر بوصفه محاولة لاستعادة القدرة الإلهية داخل حدود الطبيعة.
ولأنّ الساحر يعمل بأدوات بشرية ضمن عالم الأسباب، فإنّ محاولته ظلت محكومةً بحدود المادة والزمن، فغرق السحر في: - التخييل،
- الخداع البصري،
- والأساليب الرمزية،
- ومحاولة استثمار ما خفي من القوى الطبيعية.
فهو لم يُدرك أنّ المعجزة ليست خرقًا للأسباب فحسب، بل صدورٌ مباشر لإرادةٍ مطلقة تعمل خارج النظام الطبيعي.
الفلسفة… تقليدٌ للوحي الإلهي
إذا كان السحر تقليدًا للمعجزة، فإنّ الفلسفة — في لحظة نشوئها الكبرى — كانت تقليدًا للوحي.
فالإنسان، حين انقطع عنه خطاب السماء، حاول أن يملأ الفراغ بالعقل.
كان يريد:
- إجابة عن أصل الوجود،
- غاية الحياة،
- معنى الأخلاق،
- مصير الإنسان بعد الموت.
وكلّها أسئلةٌ كانت الأممُ تتلقّاها عن طريق الأنبياء.
فجاءت الفلسفة — من طاليس وسقراط إلى أفلوطين — محاولة لبناء منظومة تفسيرية بديلة.
لكن العقل، مهما اتسعت قدرته، يبقى محكومًا بثلاثة حدود: - حدّ التجربة: فلا يرى إلا ما يخضع للحسّ أو الاستدلال.
- حدّ الزمان: فهو يتدرّج في المعرفة ولا ينال الحقيقة دفعةً واحدة.
- حدّ الكلّية: إذ لا يستطيع أن يشمل الوجود كله علمًا.
ولأنّ الوحي لا يخضع لهذه الحدود، فإن الفلسفة — مهما بلغت — تظلّ تقليدًا ناقصًا لخطابٍ إلهي يتجاوز طبيعة العقل.
البرزخ بين نظام الأسباب ونظام “كُن فيكون”
هذا هو جوهر المقالة:
ما الذي جعل السحرَ والفلسفة يعجزان عن الوصول إلى ما وصلت إليه النبوة؟
الجواب يكمن في البرزخ بين نظامين:
- نظام الأسباب
وهو النظام الذي يحكم كل ما في الكون:
- التدرّج،
- التفاعل،
- العلل المادية،
- الزمن.
في هذا النظام، لا يظهر الأثر إلا عبر سلسلة طويلة من العلاقات.
- نظام “كُن فيكون”
وهو نظامٌ إلهي يتجاوز كل ما سبق، وفيه:
- يحدث الأثر من غير واسطة،
- خارج الزمن،
- بلا تدرّج،
- وبإرادة مطلقة لا تحدّها المادة.
هذا الفارق هو الذي يجعل: - المعجزة ليست خرقًا للقوانين فقط، بل صدورًا من مستوى آخر للوجود.
- والسحر عاجزًا عن إنتاج ما تشهده يد النبي.
- والفلسفة عاجزة عن بلوغ اليقين الذي يتيحه الوحي.
لقد ظلّ الساحرُ والفيلسوف يتعاملان مع العالم وكأنه كتلة واحدة يمكن فهمها أو التأثير فيها من داخل منظومة الأسباب.
لكنّ الأنبياء تحركوا في فضاء بينيّ يجمع الأسباب ويعلو عليها بـ الإرادة الإلهية.
لماذا أخفقت المحاولتان؟
- إخفاق السحر
السحر أخفق لأنه:
- يعتمد على ما تتيحه الطبيعة،
- بينما المعجزة تتجاوز الطبيعة ذاتها.
كل سحرٍ — مهما بلغ — يبقى عملاً ضمن دائرة “السبب الطبيعي” ولو بدا خارقًا.
- إخفاق الفلسفة
الفلسفة أخفقت لأنها:
- بحثت عن اليقين المطلق بأداة نسبية،
- وحاولت صياغة “وحي عقلي” لا يملك عمق المصدر الإلهي.
فالعقل قادر على التقاط بعض الحقيقة، لكنه عاجز عن إنتاجها من أصلها.
أثر هذا الفارق في تطوّر الوعي البشري
محاولة محاكاة الوحي، بالسحر أو بالفلسفة، لم تكن فاشلة بالكامل؛ بل كانت:
- خطوة في تطوّر الوعي،
- وإدراكًا أوليًا لحدود الإنسان.
السحر علّم الإنسان أنّ قدرته محدودة.
والفلسفة علّمته أنّ العقل وحده لا يكفي.
والوحي علّمه طريقًا ثالثًا يجمع بين: - النظام الطبيعي،
- والنظام الإلهي،
في توازنٍ لا يملكه غير الأنبياء.
يتبيّن من التحليل أنّ السحر و الفلسفة ليسا ظاهرتين منفصلتين عن التجربة النبوية، بل هما وجهان لمحاولة الإنسان — حين غاب عنه الوحي أو لم يدركه — أن يصنع لنفسه بديلًا عنه.
غير أنّ جوهر المعجزة والرسالة لا يمكن توليده من داخل عالم الأسباب، لأنه ينبع من مستوى وجودي آخر هو نظام الإرادة الإلهية المباشرة، “كن فيكون”.
وفهم هذا البرزخ يُعيد قراءة التاريخ الفكري للبشرية قراءةً جديدة:
قراءة ترى أنّ الإنسان، في كل تجاربه المعرفية، كان يسعى إلى الاقتراب من النور الإلهي… ولكنه لم يدرك أنّ بينه وبين ذلك النور مسافةً لا تُقطع إلا بالوحي.
